والتعالي على الناس؛ مما يجعله مكروهًا منبوذًا وإن كان صاحب علم وعمل [1] .
إلى كل من أعجب بعمله أو بعلمه أو بنفسه أو غير ذلك، أسأل الله لي وله العفو والعافية، وأن يستر عيوبنا؛ أقول له: مهلًا يا عبد الله واستيقظ من سباتك فغيرك وهم سادات الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يخافون الآخرة ولم يعجبوا بأعمالهم؛ لأنهم عرفوا الله وقدروه حق قدره؛ فإذا كان هذا حالهم فكيف يتكل من ليس في مثل مراتبهم؟ بل تأمل قول معلمهم - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «لن يُدْخِلَ أحدًا منكم عملُه الجنةَ» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» [2] .
والآن نترك المجال للإمام ابن حزم - رحمه الله - ليصف لنا علاج العجب؛ إذ يقول: «من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه فإن أعجب بفضائله، فليمتحن ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملةً حتى يظن أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصًا، وأعظمهم عيوبًا، وأضعفهم تمييزًا، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل؛ فإن أعجبت بآرائك فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قدرته صوابًا فخرج بخلاف تقديرك وأصاب غيرك وأخطأت أنت، فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك صوابه، فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك وهكذا كل أحد من الناس بعد [3] النبيين صلوات الله عليهم» .
وإن أعجبت بعملك فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه؛ فوالله لتجدنَّ من ذلك ما يغلب على خيرك، ويعفي على حسناتك؛ فليطل همك حينئذ، وأبدل من العجب تنقصًا لنفسك، وإن أعجبت بعملك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه، وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك تعالى؛ فلا تقابلها بما يسخطه؛ فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها تولَّد عليك نسيان ما عملت وحفظت، ولقد أخبرني عبد بن طريف - وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث - أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم، لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته، وأنه ركب البحر فمرَّ به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ، وأخل بقوة حفظه إخلالًا شديدًا، لم يعاوده ذلك الذكاء بعد ...
ويقول ابن حزم عن نفسه: «وأنا أصابني علة فأفقت منها وقد ذهب ما كنت أحفظه إلا ما لا قدر له فما عاودته إلا بعد أعوام، ثم تذكر وتفكر أيضًا في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم، وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرًا، فلتهن نفسك عندك حينئذ» ..
(1) نضرة النعيم (5370) بتصرف.
(2) رواه الإمام البخاري في كتاب المرضى (حديث - 3) والإمام مسلم في كتاب صفة القيامة والجنة والنار (4/ 306) واللفظ له.
(3) هكذا في الأصل - ولعله «عدا» .