وصار مثل ذلك أصلًا لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا، ونالوا الكمال في العلوم الشرعية.
وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك. وقلما وجدت فرقة زائغة، ولا أحد مخالف للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم. وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم.
والثالثة: الاقتداء بمن أخذ عنه، والتأدب بأدبه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كل قرن. وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه، أعني بشدة الاتصاف به، وإلا فالجميع ممن يهتدي به في الدين كذلك كانوا؛ ولكن مالكًا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى. فلما تُرِك هذا الوصف رفعت البدع رءوسها، لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث عند التارك، أصله اتباع الهوى. ولهذا المعنى تقرير في كتاب الاجتهاد بحول الله تعالى. اهـ.
وقال: وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان:
أحدهما: المشافهة. وهي أنفع الطريقين وأسلمهما، لوجهين:
الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم، يشهدها كل من زاول العلم والعلماء؛ فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها ويرددها على قلبه فلا يفهمها؛ فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة، وحصل له العلم بها بالحضرة. وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي