صدر. فهم فهموا مغزى ما أراد به أولًا حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها. وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المراقبة.
وتأمل قصة عمر بن الخطاب في صلح الحديبية، حيث قال: يا رسول الله! ألسنا على الحق، وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فلِمَ نعطي الدَّنيَّة في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب! إني رسول الله، ولم يضيعني الله أبدًا. فانطلق عمر فلم يصبر، متغيظًا، فأتى أبا بكر فقال له مثل ذلك. فقال أبو بكر: إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. فقال: فنزل القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله! أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه ورجع [1] .
فهذا من فوائد الملازمة، والانقياد للعلماء، والصبر عليهم في مواطن الإشكال، حتى لاح البرهان للعيان. وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس! اتهموا رأيكم؛ والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته. وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر، ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن، فزال الإشكال والالتباس.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف، الحديث رقم (1785) وقد اختصر بعضه هنا.