الصفحة 100 من 200

ومن الناس من يسلّمون بكل تلك المبادئ الخلقية والاجتماعية التي قد قُرّر الزنى إثمًا بموجبها. ولكنهم يصرون على أنه بدل أن يستخدم لقمعه قانون العقوبات والتدابير الوقائية يجب أن يكتفى باتخاذ التدابير الإصلاحية فحسب. فيقولون: إنه يجب أن يوقظ في الناس من الشعور الباطن، ويبعث فيهم من قوة الضمير المحتسب والوجدان الخلقي ما يمتنعون به عن ارتكاب هذه الجريمة بأنفسهم. وأما اللجوء إلى قانون العقوبات والتدابير الوقائية لأجل ذلك، بدل إصلاح النفوس، فمعناه معاملة الناس كمعاملة الصغار الأغرار، بل هو حط من مكانة الإنسانية واستخفاف بأمرها. وإنا أيضًا نسلم بقولهم إلى حد أن الطريقة المثلى لإصلاح الإنسانية هي هي التي يقترحوها، وإن الغاية الحقيقية من التهذيب والتثقيف، أن تنبعث في ضمائر الأفراد، قوة تجعلهم يحترمون قوانين المجتمع بأنفسهم، فيزعهم ضميرهم أنفسهم، عن الخروج على قواعد الأخلاق. وهذا هو الغرض من وراء كل تلك العناية البالغة التي تعنى بها الأمم لتعليم أفرادها وتربيتهم. ولكنا نسألهم: هل التهذيب والتربية غايتهما تلك؟ وهل هذبت الأفراد الإنسانية تهذيبًا يمكن معه الآن أن يعتمد على ضمائرهم كل الاعتماد، ولم يعد من حاجة إلى استخدام العقوبات أو التدابير الوقائية لحفظ النظام الجماعي؟ دعوا عن أنفسكم ذكر القرون الخوالي، فإنها كانت في رأيكم -أنتم المتجددين- عصورًا مظلمة. بل انظروا في هذا العصر المتنور من القرن العشرين؛ وتأملوا فيه حالة أرقى الدول الأوروبية والأميركية وأعلاها ثقافة وتهذيبًا، التي كل فرد من أفرادها متعلم، وهي تتباهى بما يتحلى بها أبنائها من التربية السامية، هل منع التعليم وإصلاح النفوس فيها ارتكاب الجرائم ونقض القانون؟ ألا تحدث في تلك البلاد حوادث السرقة، أو اللصوصية؟ أو لا تقتل هناك النفس الإنسانية بغير حق؟ أو لا يرتكب الناس الغش والخديعة والظلم والإفساد؟ وهل استغنت تلك الدول عن استخدام الشرطة والمحاكم والسجون ونظام المحاسبة الاجتماعية؟ أو بلغ في أفرادهم الشعور بالتبعة الخلقية أنهم لا يعاملون"معاملة الصغار الأغرار"؟ فلماذا لم يكن كل هذا من الواقع. ولم يكن أهل الغرب قد تمكنوا، حتى في هذا العصر (المتنور) ، أن يتركوا أمر نظم المجتمع وقانونه إلى الشعور الخلقي في الأفراد، ولما كانت الإنسانية في هذا الزمان أيضًا لا تزال تهان وتعامل"معاملة الصغار"باستخدام العقوبات والتدابير الوقائية لردعها من الجرائم، فما بالكم تعترضون على إهانتها في أمر العلاقات الجنسية فحسب؟ ولماذا هذا اللجوج وهذا الإلحاح الشديد على أن يعامل هؤلاء (الصغار) معاملة (الكبار) في هذه المسألة وحدها؟ ألا ارجعوا إلى ضمائركم وتجسسوها، لعل فيها دخلة سوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت