الصفحة 101 من 200

ثم يقول هؤلاء: إن الأشياء التي تعدونها محركات شهوانية وتريدون أن تقصوها عن دائرة التمدن، كلها قوام الفن وروح التذوق للجمال. فالصد عنها صدٌّ عن معين اللطافة والبهجة في الحياة الإنسانية. لذلك مهما شئتم أن تفعلوه لحفظ التمدن وإصلاح الاجتماع، فافعلوه على نحو لا يمس الفنون اللطيفة والذوق الجمالي. ونحن أيضًا نوافقهم على أن الفن والتذوق للجمال شيئان غاليان، يجب أن يحافظ عليهما، بل يتقدم ويرتقى بهما، ولكن حياة المجتمع والفلاح الاجتماعي أغلى منهما وأنفس ولا يجوز أن يضحى بهذين في سبيل فن من الفنون أو ذوق للجمال. فإن كان يراد بالفن والشعور الجمالي أن يتقدما ويرتقيا فليتخذ لارتقائهما طريق يطابق بينهما وبين الحياة والفلاح الاجتماعي! لأن الفن أو الذوق الجمالي الذي يفضي إلى الهلكة بدل الحياة، وإلى الفساد بدل الفلاح، لا يمكن أن يترك ينمو ينتشر في محيط الجماعة. وإن قولنا هذا ليس برأي فردي أو نظرية مختلفة، بل هو عين ما يقتضيه العقل والفطرة، وتعترف به الدنيا من حيث المبدأ، ولا يزال يجري عليه العمل في جميع العالم فكل ما يعد في هذه الدنيا مهلكة للحياة الجماعية ومجلبة للفساد، لا يحتمل أبدًا لأجل الفن أو الذوق الجمالي. خذ مثلا لذلك أن الآداب التي تحض الناس على الفتنة والفساد وتحفزهم على القتل والسلب، لا تجوزها دولة من دول الأرض، لمحاسنها الأدبية والفنية. وأن الأدب الذي يرغب في نشر الأوبئة والأمراض لا تغضي عنه أية سلطة في هذه الدنيا. وأن السينما أو المسرحية التي تحضّ الناس على البغي ونقض الأمن، لا تأذن بعرضها حكومة من حكومات العالم. وأن الصور التي تعبر عن نزعات الظلم والقساوة والخبث أو تنقض المبادئ الخلقية المسلم بها، مهما بلغت من كمال الفن، لا ينظر إليها أي قانون وأي ضمير اجتماعي بعين التقدير والإعجاب. وكذلك فن النشال وإن كان من ألطف الفنون وأرقاها في خفة اليد وبراعتها، لا يرضى له أحد أن ينمو وينتشر. ومثله صناعة تزوير الصكوك والشيكات والأوراق المالية، فإنها أيضًا تتطلب فطنة نادرة وبراعة عجيبة؛ ولكن لا يستجيز أحد ترقية هذا الفن. ثم هناك الغش والدجل الذي قد أتى فيه الذهن الإنساني بالعجب المعجز من قوة اختراعه، ولكنه ليس من مجتمع مهذب ينظر إلى تلك المعجبات بعين الرضا والتقدير وإذًا من المسلم المعترف به أن حياة الجماعة وأمنها وفلاحها ومصلحتها أغلى، وأثمن من كل فن لطيف وكل ذوق للجمال أو الكمال، ولا يجوز أن يضحى بكل ذلك لأجل فن من الفنون وأما الأمر الذي فيه الاختلاف فهو أننا نعد شيئًا من الأشياء مضرًا حياة الجماعة وفلاحها، ولا يعده كذلك غيرنا. ولو أن وجهة نظرهم توافق وجهتنا في هذا الأمر، فلا جرم أن يشعروا بضرورة تقييد الفن وذوق الجمال بتلك القيود التي نستلزمها نحن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت