الصفحة 102 من 200

ومن قولهم أيضًا: إن ضرب الحجب والحواجز بين أفراد الجنسين، لمنع العلاقات الجنسية المطلقة بينهم ووضع السدود دون اختلاطهما الحر في الاجتماع، هو في الحقيقة تحامل على سيرتهم وأخلاقهم، إذ يُؤخذ من ذلك أنه قد فُرض كل واحد من آحادهم فاجرًا أو داعرًا، وأن واضعي هذه القيود لا يثِقون بنسائهم ولا برجالهم. اعتراض قوي ولا شك! ولكن ما بالك تقف بهذا الاعتراض عند هذا الحد، ولا تتوسع به إلى ما سواه من شؤون الحياة، حتى يُقال: وكل قُفل يوضع على باب كأنه إعلان لكون مالكه قد فرض كل أهل هذه الدنيا لصوصًا. وأن وجود كل شرطي في البلاد دليل على أن الحكومة تعتبر جميع رعاياها أشرارًا خُبُثًا. وكل ما يُستكب من صكّ عند المعاملة فهو حجة على كون أحد الفريقين قد عدّ الآخر خائنًا، وأن كل ما يُتّخذ من التدابير الوقائية لسد الجرائم، فإن وجوده في نفسه برهان على أن كل من يشملهم نطاق هذا التدبير قد فُرضوا مجرمين على الاحتمال. إن هذا النحو من الاستدلال يجعلك في كل آن سارقًا أو خائنًا أو فاجرًا متهمًا، ولكنه لا يغضّ شيئًا من كرامتك وعزّة نفسك. فيا ليت شعري لماذا يرقّ شعورك للعز والكرامة كل هذه الرقة في أمر العلاقات الجنسية وحدها؟!

إنما الحقيقة الواقعة التي قد أشرنا آنفًا، هي أن الذين لا تزال في أذهانهم أثارة من التصوّرات الخلقية العتيقة، لا ريب يُنكرون الزنى والفوضى الجنسية، ولكنه لا يبلغ فيهم ذلك الإنكار مبلغًا يُشعرهم بضرورة منعهما وسدّ بابهما بالمرة. ولذلك تختلف وجهة نظرهم عن وجهة نظرنا في باب التدابير التي يجب أن تُتّخذ للإصلاح لحسم أسباب تلك السيئة. ولو أنهم تتكشّف عليهم حقائق الفطرة، فيتفطّنوا لوضع هذا الأمر ووجهه الصحيح، لاتّفقوا معنا على أن الإنسان ما دام إنسانًا وما بقي فيه عنصر الحيوانية، فلا يمكن لأي تمدن يؤثر فلاح الحياة الجماعية على أهواء الأفراد وشهواتهم، أن يغفل عن تلك التدابير ويقصّر في أمرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت