إن من لوازم التمدن الصالح، بعد تشكيل الأسرة وسدّ باب الفوضى الجنسية أن يقرّر الوضع الصحيح لعلاقة ما بين الرجل والمرأة، وتعيّن حقوقهما بالعدل والنصفة، وتُقسم بينهما التبعات والواجبات بالقسط، وتُحدّد لهما المراتب والوظائف في نظام الأسرة على نحو لا يُخلّ بالتوازن والاعتدال. هذه المسألة أصعب مسائل التمدن وأكثرها إعضالًا، ولكن الإنسان قد أخفق في حل عقدتها غالبًا.
فهناك أمم قد جعلت المرأة قوّامة على الرجل. ولكنا لا نعلم أمة من تلك الأمم، بلغت درجة عالية في التمدن والحضارة، ولا تُرى في سجلّ التاريخ على الأقل أمة وكلت أمرها إلى المرأة، ثم نالت القوة والعزّة بين أمم العالم، أو جاءت بمأثرة تُذكر في التاريخ.
أما معظم أمم الأرض فقد جعلت الرجل هو القوّام على المرأة. ولكن هذا التفضيل للرجل ربما تحول إلى الظلم، بحيث اتخذت المرأة أمة، وسيمت الإهانة والخسف، وحُرمت كل أنواع الحقوق الاقتصادية والتمدّنية، ووُضعت في الأسرة مقام الخادم، وأداة قضاء الشهوة للرجل. ولئن عطفوا على طبقة من النساء خارج الأسرة والبيت، وحلّوهن بحلي العلم والثقافة، فلكي يفين بمطالب الرجال الجنسية بطرق أشهى وألذّ، ويكن لهم لذة المسامع بموسيقاهن، وبهجة النواظر برقصهن ودلالهنّ. ومتعة الأجساد ببراعتهن الجنسية ومفاتنهن. وكان ذلك من أوقح ما ابتدعته أهواء الرجال من أساليب إهانة المرأة وتحقيرها، وإن الأمم التي جرت على هذه الطريقة، لم تسلم بنفسها من مضارّها.
على أن التمدن الغربي الحديث قد اختار لنفسه طريقًا ثالثًا، هو طريق المساواة بين المرأة والرجل. وذلك أن تُقسم الواجبات بين الجنسين على السواء، وتكون من نوع واحد تقريبًا. فيتسابقا في دائرة عمل واحدة ويكسب كل منهما عيشه بيده ويكفل حاجاته بنفسه. ولكن هذه الصيغة من تنظيم الاجتماع لم تتكمل بعد. لأن أفضلية الرجل وتفوقه على الصنف المقابل لا يزال جليًا بارزًا حتى الآن. ولم تبلغ المرأة مبلغ الرجل في أي شعبة من شعب الحياة، ولم يحصل له بعد جميع الحقوق التي يجب أن تكون لها بحسب قاعدة المساواة الكاملة. على أن الجانب الذي قد تم وكمل من هذه المساواة، فقد أخذ يُدخل الفساد على التمدن، منذ الآن. وقد سبق أن ذكرنا نتائجه في الأبواب الماضية، فلا نحتاج إلى مزيد من التعقيب عليه في هذا المقام.
كل هذه الأنواع الثلاثة للتمدن، يخلو من العدل والتناسب والاتزان، لأنه قد قصر في فهم هداية الفطرة، وفي اختيار السلوك العملي وفقًا لها وبموجبها. وإنك إن تأملت الأمر بالفكر السليم، تبينت أن الفطرة نفسها قد دلت على الحل الصحيح لتلك المسائل، بل هي الفطرة التي قد صانت المرأة بقوتها القاهرة عن أن تسقط في منزلتها إلى الدرك الأسفل الذي أراده الرجال لها، أو تسمو فيها إلى العلياء التي أرادتها لنفسها أو حاول الرجال أن يرفعوها إليها. وقد اختار الإنسان جانبي الإفراط والتفريط بتأثير عقله المخطئ وتصوراته الزائفة الضالة. ولكن الفطرة لا تريد إلا العدل والتناسب، وهي تهدي الإنسان بنفسها إلى ذاك السبيل.