الصفحة 99 من 200

إن الفعل الذي يتحقّق ضرره بالتمدن، لا يكفي في منعه وسدّ بابه أن يُعدّ جريمة في القانون ويقرر له حد أو عقوبة، بل يجب أن تُتّخذ لذلك معه أربعة تدابير أخرى:

أولا -تهذب عقلية الأفراد بالتربية والتعليم. ويُصلح من نفوسهم إصلاحًا يعودون معه ينكرون ذلك الفعل بأنفسهم فيعدّونه إثمًا، ويكفهم شعورهم الخلقي نفسه عن ارتكابه.

ثانيًا -يؤلّب الرأي العام والأخلاق الجماعية على عداء ذلك الإثم أو الجريمة إلى حد أن يصبح عامة الناس يعتبرونه عارًا ومخزاة، وينظرون إلى مرتكبه بعين المقت والزراية. وذلك لكي تمنع قوة الرأي العام كل من نقصت تربيته أو ضعُف فيه الوجدان الخلقي من ارتكاب ذلك الإثم.

وثالثًا -يُحسم في نظام التمدن جميع الأسباب التي تحرّض الأفراد على تلك الجريمة وترغّبهم فيها. وأيضًا يقضى فيه -بقدر الإمكان- على الأسباب التي تضطرهم إليها.

ورابعًا -يُقام في سبيل هذه الجريمة من الموانع والعقبات في الحياة التمدنية، ما لا يتيسر معه للمرء ارتكابها، وإن تعمّده وسعى فيه.

كل هذه التدابير الأربعة مما يشهد بصحته وضرورته العقل، وتتطلبه الفطرة، ومما تعمل به المجتمعات فعلا في جميع العالم. وما من مجتمع أو نظام مدني إلا ويستخدم قليلا أو كثيرًا من هذه التدابير الأربعة -علاوة على نظام العقوبات- لمنع الأفعال التي تتقرّر في قانونه جرائم. فإذا كان من المعلوم المسلّم به أن فوضى العلاقات الجنسية مهلكة للتمدن. وذنب عظيم إلى المجتمع فلا مناص أيضًا من التسليم بأنه يلزم لمنعها من الانتشار أن تُستخدم جميع التدابير الإصلاحية المانعة التي قد ذكرت آنفًا، علاوة على تنفيذ العقوبات. فيجب العمل على تربية الأفراد، ويجب حمل الرأي العام على عداء تلك الفوضى ومكافحتها، ويجب تطهير التمدّن من كل ما يُلهب نار الشهوة في الأفراد، ويجب أخيرًا أن تُزاح عن النظام الاجتماعي تلك الموانع والعقبات التي تجعل النكاح من أصعب الأمور، وأن تُقيّد العلاقات الجنسية بين الصنفين بقيود تقوم في وجههما كالسد الحاجز، إن هما مالا إلى التعلق الجنسي المطلق. وما يكون لعاقل، يعترف بكون الزنى إثمًا وجريمة، أن يُنكر ضرورة هذه التدابير ويعترض على استخدامها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت