ومن الظاهر البيّن أيضًا من حيث المبدأ والقاعدة أنه ما كان النكاح والسفاح ليكون كلاهما جزءًا لنظام اجتماعي في آن واحد. وذلك أنه إن أبيح للمرء أن يقضي شهوات نفسه بدون قبول التبعات، فمن العبث تقرير ضابط النكاح لنفس الفعل ومثله كمثل أن يرخّص للناس ركوب القطار بدون التذكرة، ويوجب عليهم في الوقت نفسه إحراز التذكرة للسفر فيه، فإنه لا يليق بعاقل أن يفرض الطريقين كليهما في الوقت الواحد. وما الوجه الصحيح في الأمر إلا أحد اثنين: إما يُلغى شرط ابتياع التذكر إلغاء، ويُجعل السفر بدونها مباحًا، أو يُعزَم فيه على الناس فيقرّر السفر بدون التذكرة جريمة أبدًا. كذلك اختيار الوجهين المتباينين في الحكم على النكاح والسفاح مما لا يسوّغه العقل بتة. فإن كانت ضابطة النكاح من لوازم التمدن -كما أثبت آنفًا بالأدلة والبراهين- فمن اللازم مع ذلك أن يعدّ السفاح إثما وجريمة [1] .
ومن أبرز ما تمتاز به الجاهلية أنه لا يُهتمّ فيها إلا بما تكون نتائجه محدودة ملموسة، وتتمثّل أمام العيون وشيكًا بصورة مرئية. وأما كانت نتائجه غير مدركة للحال لكونها أعمق في الأثر وأبطأ في الظهور، فلا يلقى إليه بال، بل هو يُعدّ غير صالح للاكتراث له. ومن هذا استعظامهم للسرقة والقتل والنهب. وتهاونهم بالزنى والفحشاء. ومن العجب حقًا أن المرء الذي يجمع في بيته جرذان الطاعون أو ينشر في الناس الأمراض السارية، لا يعدّه تمدن الجاهلية حقيقًا بالعفو والمعذرة أبدًا، لأن فعلته تلك يتبين لهم جانب ضررها وفسادها. ولكن الزاني الذي يستأصل شأفة التمدن لأجل غرضه ومصلحته لا غير، فلأن مضار عمله هذا لا تُرى عيانًا ولا تُحسّ إحساسًا، بل هي مما يعقل أو يُتصوّر، يظنه الجاهلون موضع الأعذار والمسامحة، بل هم يكادون لا يفهمون وجه الخطأ في عمله ذلك. ولو أن التمدن يكون أساسه العقل والعلم بفطرة الأشياء، بدلا من الجاهلية، لما اختار أهله مثل هذا السلوك العملي.
(1) من الوهم الشائع عند بعض القوم أن فتى في مقتبل الشباب، يجب أن يتاح له بعض الفرص لتسكين شهواته بحجة أنه من الصعب على المرء في عهد الشباب مقاومة هيجان العواطف. وفي مقاومته له ضرر بصحته. ولكن المقدمات التي قد بنيت عليها هذه النتائج كلها خاطئة. وذلك أن مثل هذه السورة العاطفية الشديدة التي لا يمكن غلبتها، حالة غير معتدلة ( Abnormal) لا تعرو النفوس المعتدلة ( Normal) إلا لوجود نظام تمدني فاسد يلهب فيهم نار الشهوة إلهابا. فكل ما تجد فيما حولنا في السينما والصور والموسيقى والآداب ومزاحمة النساء المتبرجات للرجال في كل مكان من هذا المجتمع المختلط -كل هذه الأسباب التي تحول النفوس المعتدلة عن اعتدالها في غريزة الشهوة. وإلا فمن المحال المستبعد أن تهيج الشهوة في عامة الرجال والنسا في بيئة هادئة معتدلة، هيجانا لا يمكن ضبطه بالتربية العقلية والخلقية. والظن بأن اجتناب العمل الجنسي في عهد الشباب مضر بالصحة، ولذا ينبغي أن يزني المرء توفيرًا لصحته، إن هو إلا مغالطة للنفس وخداع للضمير المحتسب. إنما الواجب لحفظ الصحة وصون الأخلاق أن يبدل هذا النظام الاجتماعي المنحرف، وتلك المقاييس الزائفة للعيش الهنيء، التي قد جعلت النكاح صعبًا والسفاح أمرًا هينًا سهلا.