الصفحة 163 من 200

أما حدود العورة للنساء فقد جعلت أوسع من عورة الرجال فأمرن أن يخفين كل جسمهن، غير الوجه واليدين، عن كل الناس، وفيهم آباؤهن وإخوتهن وسائر أقاربهن من الذكور ولم يستثن من ذلك إلا أزواجهن:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يديها إلا إلى ههنا، وقبض نصف الذراع" [1] "الجارية إذا حاضت، لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويدها إلى المفصل" [2] . وعن عائشة رضي الله عنه قالت: خرجت لابن أخي عبد الله بن الطفيل مزينة، فكرهه النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: إنه ابن أخي يا رسول الله! فقال:"إذا عرقت المرأة، لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى" [3] . وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أخت زوج النبي صلى الله عليه وسلم. فدخلت عليه ذات مرة في لباس رقيق يشفّ عن جسمها. فأعرض النبي عنها وقال:"يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفه" [4] . ودخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى حفصة خمار رقيق، فشقته عائشة وكستها خمارًا غليظًا [5] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم"لعن الله الكاسيات العاريات". وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:"لا تلبسوا نساءكم الكتان ولا القباطي. فإنها تصف ولا تشف" [6] .

فيعلم من جميع هذه الروايات أن جسم المرأة كله، إلا وجهها ويديها، عورة يجب أن تسترها حتى عن أدنى أقاربها في البيت. ولا يجوز لها أن تكشف عورتها على أحد غير زوجها سواء كان أباها أو أخاها أو ابن أخيها. حتى ولا يحل لها أن تلبس لباسًا رقيقًا يشف عن عورتها أو يصفها.

على أن كل ما ورد في هذا الباب من الأحكام، هو للمرأة الشابة. فتنفذ هذه الأحكام -في ستر العورة- مذ تقارب المرأة البلوغ، وتبقى نافذة عليها ما دامت فيها جاذبية جنسية فإذا جاوزت المرأة ذلك العمر وتقدمت في السن. فإنها لا ريب يخفف منها. ففي القرآن:"وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ" (النور: 60) وفي الآية تصريح بعلة التخفيف والمراد بعدم الرجاء في النكاح هو أن تبلغ المرأة عمرًا تفنى فيه الشهوة الجنسية ولا تبقى في المرأة جاذبية. على أن الله تعالى قد ألزمهن لمزيد الحيط أن لا يقصدن بوضع الثياب إبداء زينتهن وأما إذا كان في نفس المرأة أثارة من الشهوة الجنسية، فلا يجوز لها أن تخلع الثوب عن رأسها، وإنما التخفيف للعجائز اللاتي يجعلهن تقدّم السن في غنى عن العناية بلباسهن، واللاتي يكاد لا ينظر إليهن أحد إلا بنظر الإجلال والاحترام وأمثال هؤلاء لا جناح عليهن أن يخلعن خمرهن في بيوتهن.

(1) ابن جرير الطبري.

(2) أبو داود.

(3) ابن جرير الطبري.

(4) أبو داود مرسلًا.

(5) الموطأ للإمام مالك.

(6) المبسوط -كتاب الاستحسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت