الصفحة 164 من 200

والحد الآخر الذي قد وضعه الإسلام بهذا الصدد، هو أنه قد منع الذكور من أهل البيت أن يدخلوا البيوت بغير استئذان، حتى لا يروا نساءهم في حال لا ينبغي لهم رؤيتهن فيها"وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا كَمَا اسْتَاذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" (النور: 59) . وقد أشير في هذه الآية أيضًا إلى علة الأمر، وهي بلوغ الأطفال الحلم، أي نشأة الشعور الجنسي في نفوسهم. فإذا أدرك الأطفال هذه السن، وقع عليهم تكليف هذا الحكم، ولا لزوم لطلبهم الإذن قبل ذلك.

وبجانب هذا، أمر الأجانب ألا يدخلوا بيتًا إلا بإذن أهله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا" (النور: 27) والقصد بذلك وضع الحد الفاصل بين داخل البيت وخارجه، حتى يكون النساء والرجال في حياتهم المنزلية في مأمن من نظر الأجانب. وهذه الأحكام ما كادت العرب تفهم علتها بادئ ذي بدء، فربما كانوا يتطاولون إلى البيوت من الخارج. ووقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه ذات مرة، إذ اطلع رجل من جحر في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي مدرى يحك به رأسه. فقال"لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك. إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" [1] وأعلن النبي بعد ذلك:"من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينيه" [2] . ثم أمر الرجال الأجانب ألا يدخلوا البيوت إذا سألوا أهلها شيئًا، بل يسألوهم من وراء حجاب، ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ" (الأحزاب: 53) وفي هذا المقام أيضًا قد أشير إلى علة الحكم بكلمات:"ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ". فالمقصود الرئيسي هو صون النساء والرجال من النزعات والمحركات الشهوانية، وما وضعت هذه الحدود والقيود إلا منعًا لاختلاط الرجال والنساء وارتفاع الكلفة فيما بينهم."

وهذه الأحكام لا تقتصر على الأجانب وحدهم، بل يُطالب بها أيضًا خدمة البيوت وخوَلها. فقد جاء في الآثار أن فاطمة رضي الله عنها لما ناولت أحد ابنيها بلالًا أو أنسًا قال رأيت كفًّا -أي لم ير وجها [3] . ومن المعلوم أن كلا منهما كان خادمًا خاصًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يعيش عنده كأحد أهله.

(1) البخاري -كتاب الاستئذان.

(2) مسلم -باب تحريم النظر في بيت غيره.

(3) تكملة فتح القدير ج8 ص98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت