فصل الأول
في التحذير من الغلو في التكفير
اعلم وفقنا الله وإياك إلى العلم النافع والعمل به، أن موضوع التكفير كحكم شرعي من أحكام الدين، مع أهميته وضرورته وتعلق كثير من المسائل والأحكام به؛ هو موضوع خطير بالغ الخطورة، تترتب عليه آثره الكثيرة في الدنيا والآخرة .. وقد قصر في معرفته أقوام .. فزلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام .. فهو (أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة الوعيد) [1] - كما نص شيخ الإسلام ابن تيمية - وقال: (اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها المولاة والمعاداة والقتل والعصمة، وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه وتعالى أوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان) مجموع الفتاوى (12/ 251)
والمتابع لموضوع التكفير في كتب الفقه على سبيل المثال، يرى بوضوح تعلق كثير من المسائل والأحكام به ويعرف أهمية هذا الموضوع وخطورته حقًا ..
-خذ مثلًا، في أحوال الحكام وما يتعلق بهم:
-حيث تجب مولاة الحاكم المسلم ونصرته وطاعته، ولا يجوز الخروج عليه أو منازعته ما لم يظهر كفرًا بواحًا، والصلاة خلفه والجهاد معه مشروع برًا كان أو فاجرًا ما دام في دائرة الإسلام محكمًا لشرع الله .. والسلطان المسلم ولي من لا ولي له من المسلمين.
-أما الحاكم الكافر فلا تجوز بيعته ولا تحل نصرته ولا موالاته، أو معاونته، ولا يحل القتال تحت رايته، ولا الصلاة خلفه ولا التحاكم إليه، ولا تصح ولايته على مسلم .. وليس له عليه طاعة، بل تجب منازعته والسعي في خلعه والعمل على تغييره [2] ، وإقامة الحاكم المسلم مكانه ..
ويتفرع من ذلك كفر من تولاه أو نصر كفره أو قوانينه الكافرة وحرسها أو شارك في تثبيتها أو تشريعها أو حكم بها من القضاة ونحوهم ..
-وفي أحكام الولاية: لا تصح ولاية الكافر على المسلم، فلا يصح أن يكون الكافر واليًا أو قاضيًا للمسلمين، ولا إمامًا للصلاة بهم .. ولا تصح ولايته على مسلمة في نكاح، ولا ولايته أو حضانته لأبناء المسلمين، ولا وصايته على أموال الأيتام منهم ونحو ذلك.
-وفي أحكام النكاح: لا يجوز نكاح الكافر من المسلمة ولا يكون وليها في النكاح [3] .. وإذا نكح مسلم مسلمة ثم ارتد بطل نكاحه وفرق بينهما ..
(1) ـ الفتاوى (3/ 147)
(2) ـ انظر في وجوب ذلك؛ فتح الباري (13/ 123) وشرح مسلم للنووي (12/ 229) وانظر الصارم المسلول ص 13 وص 216 وانظر للشوكاني (الدواء العاجل في دفع العدو الصائل) ص 33 - 35 ضمن الرسائل السلفية. ولحمد بن عتيق (سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) ص 412 من مجموعة التوحيد. ولعبد القادر عودة (التشريع الجنائي) (2/ 232) وغيرهم
(3) ـ أنظر المغني (كتاب المرتد) (فصل: وإن تزوج لا يصح تزوجه .. وإن زوج لا يصح تزويجه لأن ولايته على موليته قد زالت .. الخ)