"الخطأالخامس والعشرون"
عدم التفريق بين الحكم بغير ما أنزل الله وبين
مجرد ترك بعض حكم الله أحيانا في الواقعة كمعصية
ومن أخطاء التكفير أيضًا عدم التفريق بين الحكم بغير ما أنزل الله بمعناه التشريعي التبديلي الطاغوتي المكفر؛ وبين مجرد ترك الحكم بما أنزل الله أحيانًا في الواقعة من غير تولٍ، كالجور في القضاء.
والصواب أن مجرد ترك شيء من حكم الله كمعصية في الواقعة أحيانا لا تبديلا ولا تشريعًا ولا احتكامًا إلى الطواغيت، وإن كان داخلًا في عموم لفظ الآية وظاهرها، إلا أنها ليست نصًا فيه، ويظهر ذلك من سبب النزول الذي يبين ويوضح المراد بالآية. فإنها آية في جملة آيات تتكلم على الكفار من أهل الكتاب، ولذلك قال البراء بن عازب في حديثه الذي ذكر فيه سبب نزولها: (في الكفار كلها) أي أنها تتناول الكفر الأكبر الناقل عن الملّة.
-وذلك في صحيح مسلم في قصة رحم اليهودي، وفيه بيان كيفية تسلسل أمر الحكم بغير ما أنزل الله عندهم: حيث قال عالمهم أولًا لما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن حد الزاني في كتابهم:"نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد". فإلى هنا كانت جريمتهم ترك حكم الله في بعض الوقائع أحيانًا، وإقامته أحيانًا، مع أن الأصل في الحكم عندهم، الحكم بكتاب الله، وهذه الجريمة بحد ذاتها مجردة عن الاستحلال كبيرة من كبائر الذنوب أو (كفر دون كفر) .
فمتى ما ذكر الحكم بغير ما أنزل الله وأريدت به هذه الصورة، ترى العلماء السابقين يشترطون للتكفير فيه شرط الاستحلال، وإذ استدل مستدل بالآية على هذا النوع أوّلوا الكفر فيها إلى الكفر الأصغر غير الناقل عن الملة كما هو مشهور في عباراتهم في الرد على الخوارج وغيرهم (ليس الكفر الذي يذهبون إليه) (ليس كمن كفر بالله وملائكته ورسله ... ) و (كفر دون كفر) .
وبمعرفة هذا، يزول الإشكال الذي استشكله البعض في عبارات السابقين التي يجمعون فيها الحكم بغير ما أنزل الله مع الذنوب غير المكفرة، فإنه في مثل هذه الحال يقصدون لزامًا هذا النوع إذ هو النوع الذي كان معروفا مشتهرا عندهم.
ولقد زلت في هذا وخلطت فيه طائفتان ما بين إفراط وتفريط:
فطائفة فرطت، ومنهم مرجئة العصر وجهمية الزمان، فأولوا الكفر الأكبر المذكور في الآية إلى الأصغر في مناط الآية الحقيقي وأشباهه ونظائره، وفي غير مناطها.
وطائفة أخرى غلت وأفرطت فأبقته على أصله (الكفر الأكبر) في مناطة وفي غير مناطة أيضًا، وكان أول هؤلاء الخوارج المحكّمة الذين ادعوا أن عثمان وعليًا ومعاوية ونحوهما ظلموا وحكموا بغير