"الخطأ الحادي والعشرون"
عدم التفريق في آثار التكفير
بين الكافر الممتنع وبين المقدور عليه
ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضا عدم التفريق بين الكافر الممتنع وبين المقدور عليه، والتسوية بينهما في استباحة المال والدم دونما استتابه:
وهو ما يتقحمه بعض الغلاة من تكفير المستضعفين من عوام المسلمين في الأمور المحتملة أو نحوها، دون تبين أو نظر أو استتابه واعتبار للشروط والموانع، بل معاملتهم فورًا معاملة الممتنعين باستحلال دمائهم وأموالهم.
* والامتناع يرد على معنيين:
الأول: امتناع من العمل بالشريعة جزئيًا أو كليًا.
والثاني: امتناع عن القدرة، أي عن قدرة المسلمين أن يوقفوه ويحاسبوه.
ولا تلازم بين النوعين، فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة أو بعضها مقدورًا عليه في دار الإسلام، كمن امتنع عن الصلاة أو الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام.
-والامتناع الذي يسقط وجوب الاستتابة هو الامتناع عن قدرة المسلمين.
ومعنى الاستتابه؛ يشمل: طلب التوبة ممن حكم عليه بالردة.
ويشمل كذلك: تبين الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة، وهذا هو المقصود هنا ... ومنه تعرف أن عبارة العلماء التي ترد كثيرًا في كتب الفقه وغيرها: (من قال أو فعل كذا يستتاب ... الخ) ، أنها لا تعني دائمًا أن المشار إليه قد كفر وتطلب منه التوبة، بل قد تعني أنه قد صدر منه فعل أو قول مكفر، ويجب تبيّن حاله، أي تبيّن الشروط والموانع حقه، وبعدها، إما أن يحكم ببراءته من الكفر لتخلف شرط من شروط التكفير أو قيام مانع من موانعه في حقه، وإما أن يحكم بردته إن تحققت الشروط وانتفت الموانع، فتطلب منه التوبة، وهي النوع الثاني والأخير من الاستتابة، الذي يكون قبل إقامة حد الردة عليه.
فالمقدور عليه: لا يمتنع عن النزول على حكم الله وشرائعه، ولا يمتنع عن سلطان المسلمين، ولا يمتنع بسلطان الكفار وشوكتهم ودولتهم وقوانينهم.
أما الممتنع: فهو الذي يمتنع إما بدار الكفر، فيلتحق بها فيمتنع بشوكة أهلها الحربيين أو بدولتهم وسلطانهم وقانونهم بحيث يأبى النزول على أحكام المسلمين ولا يتمكن المسلمون من إقامة حكم الله عليه، أو يمتنع بطائفة وشوكة بين المسلمين تمنعه من المسلمين وحكمهم.