فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 102

"الخطأ لثالث عشر"

تكفير من مات على شيء من الذنوب لم يتب منها

ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضا؛ تكفير من مات على شيء من الذنوب لم يتب منها.

روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ... .) الحديث إلى قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) .

ففيه أن من أصاب من الذنوب شيئا ولم يقم عليه حده وستره الله إلى أن مات فهو في المشيئة، إن شاء الله عذبه بقدر ذلك الذنب وإن شاء عفا عنه، ومن كان كذلك فليس بكافر، وهذا عموم يدخل فيه غير التائب ... والتائب غير المستكمل لشروط التوبة الحقيقية المتقبلة عند الله، أما التائب توبة كاملة حقيقية متقبلة، فلا عذاب عليه، ولا يعكر على ذلك ذكر الشرك؛ لأن (عموم هذا الحديث كما قال النووي مخصوص بقوله تعالى(( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) )فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة) أهـ.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر ... إلى قوله: ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة) . وفيه دلالتان على عدم تكفير من مات على ذنوب دون الشرك، أولهما قوله: (ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر)

ففيه أن من جاء الله بالسيئة لم يتب منها فهو إلى الله إن شاء جازاه بمثلها، وإن شاء غفر له. والثانية قوله: (ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة) ففيه أن من مات على ذنوب لم يتب منها؛ فإن الله يغفرها له إن حقق التوحيد واجتنب الشرك والتنديد.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (مازلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا من في نبينا صلى الله عليه وسلم يقول:(إن الله تبارك وتعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فإني ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة"، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا) رواه ابن أبي عاصم في السنة."

وروى مسلم في صحيحه في (كتاب الإيمان) (باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر) حديث الرجل الذي هاجر مع الطفيل بن عمرو فمرض فجزع فقطع براجمه بمشاقص [1] فشخبت حتى مات، فرآه الطفيل في منامه، هيئته حسنة ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي لهجرتي ... فقال: مالي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي؛ لن نصلح ما أفسدت، فقصّها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم! وليديه فاغفر) .

(1) ـ (البراجم) مفاصل الأصابع و (المشاقص) السهم ذو النصل العريض أو المقص، و (شخبت) أي سال دمها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت