"الخطأ الثامن والعشرون"
تكفير كل من خالف الإجماع دون تفصيل
ومن أخطاء التكفير أيضًا تكفير كل من خالف الإجماع دونما تفصيل ودون مراعاة ما يكتنف الإجماع وإمكان انعقاده، وإمكان العلم به وثبوته وحجيته بنوعيه الصريح منها والسكوتي.
والصواب في هذا الباب؛ أن لا يكفر إلا من جحد إجماعًا معلومًا ثابتًا ثبوتا قطعيا، مستندًا إلى نصٍ شرعي صحيح، فيكفر جاحده أو معارضه، لجحد النص الواضح المعلوم، بخلاف من رد إجماعًا مزعومًا غير معلوم المستند، من دعاوى الإجماع الكثيرة التي تساهل في ادعائها الناس، ويعسر إثباتها، فضلا عن الإجماعات السكوتية من ذلك، أو ما يدعيه أهل البدع من إجماعات .. !!.
أضف إلى ذلك أن يكون الإجماع من المعلوم من الدين ضرورة (أي ما كان ظاهرًا متواترًا معلوما عند الخاص والعام) وليس هو من جنس المسائل الخفية التي يعذر الجاهل بها.
يقول النووي تعليقًا على إطلاق الرافعي القول بتكفير جاحد الإجماع:
(أطلق الإمام الرافعي القول بتكفير جاحد المجمع عليه، وليس هو على إطلاقه. بل من جحد مجمعًا عليه فيه نصّ، وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخواص والعوام كالصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو تحريم الخمر أو الزنا ونحو ذلك فهو كافر.
ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب وتحريم نكاح المعتدة، وكما إذا أجمع أهل عصر على حكم حادثة فليس بكافر) أهـ. (روضة الطالبين 2/ 146) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد تنازع الناس في مخالف الإجماع: هل يكفر؟ على قولين: والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفير ... ) أهـ. مجموع الفتاوى (ط. دار ابن حزم) (19/ 146) .
والخلاصة: إن مخالف الإجماع الصحيح إنما يكفر عند تحقق الشروط الآتية:
1 -أن يكون إجماعًا صريحا صحيحًا على ما قدمناه لك.
2 -أن يكون معلوما قطعيا ثابتًا.
3 -أن يكون هذا الإجماع مبنيًا على نص صحيح معلوم، أي أن يكون له مستند (دليل) من الشرع، بحيث يكون منكر هذا الإجماع، جاحدًا لذلك النص المعلوم، قال تعالى: (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) .