"الخطأ الثاني والثلاثون"
عدم التفريق في أسباب التكفير بين الطعن في الدين
وبين الطعن في الأشخاص
ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضًا عدم التفريق في أسباب التكفير بين الطعن في الدين وبين الطعن في الأشخاص، أو بين العداوة الدينية والعداوات الشخصية، أو الاستهزاء بالمسلم لتدينه والاستهزاء به لغير ذلك ..
وكمثال يوضح ضرورة التفريق وضرر الخلط في ذلك.
* الاستهزاء باللحية:
فإن قصد المستهزئ، الاستهزاء بها وباللحى عمومًا كسنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم فهذا كُفْر، فإن كان المستهزئ بها ممن يجهل سنيّتها، وصدر منه ذلك، عُرّف، وأقيمت عليه الحجة بذلك، فإن أصر على استهزائه كفر، بخلاف ما إذا كان استهزاؤه بشيء معلوم ضرورة أنه من الدين كالقرآن والصلاة ونحوها من خصائص الإسلام، ولم يكن حديث عهد بالإسلام؛ فإنه يكفر دون حاجة إلى التعريف بمثل هذه الأمور البينة المعلومة عند كل مسلم ... بدليل أن الله تعالى حكم بالكفر على من استهزؤوا بحفظة القرآن دون حاجة إلى ذلك ولم يقبل اعتذارهم.
فقال سبحانه: (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ) [1] .
أما إذا وجدت قرينة تدل على أن ذلك المستهزئ بلحية مسلم معين، أو الطاعن فيها إنما فعل ذلك لغير القصد الأول، بل لكونها شعثاء أو شوهاء -مثلًا- فهذا ليس بكفر، وإن كان محرمًا، لقوله
(1) ـ شبهة: فإن قيل: مقالة المستهزئين بالقراء الذين أكفرهم الله تعالى في سورة براءة كانت (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء.) كذا جاء في سبب النزول؛ ومع هذا اعتبرها الله استهزاء بالله وآياته ورسله وقد كفروا بها؛ فقال تعالى: (( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لاتعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) )التوبة [64 ـ 66] ..
قلنا: (( الله يحكم لا معقب لحكمه ) )وهو أحكم الحاكمين وأحكامه سبحانه على الحقيقة فهو يعلم السر وأخفي ويعلم ما في الصدور؛ ومادام قد حكم سبحانه بأنهم قد استهزأوا بالله وآياته؛ فذلك حق لا يتطرق إليه الشك عندنا، ولكن أين في كتاب الله أو سنة رسوله أنه سبحانه جعل الاستهزاء بهيئات القراء أو طبائعهم هو عين الاستهزاء بالله وآياته ورسله؟؟
فمقالتهم المنقولة في الأثر من الألفاظ المحتملة في التكفير التي يجب فيها - كما تقدم - تبيّن قصد فاعلها قبل التكفير؛ هل أراد بها الاستهزاء بهم لأجل دينهم وحملهم للقرآن؛ أم أراد حقا ذم شيء من تلك الخصال في بعضهم، أوأراد الطعن عليهم لعداوة شخصية، وهذا التبيّن مطلوب في الألفاظ المحتملة في أحكامنا التي لا تتعرض إلا للظاهر، أما في أحكام الله الذي يعلم السر وأخفى فقد أخبر سبحانه وقطع بأنهم أرادوا بذلك الاستهزاء بالله وآياته ورسله وهو أصدق القائلين.
* فإن قيل: فلماذا لم يقتلهم صلى الله عليه وسلم ماداموا قد كفروا وارتدوا؛ وفي الحديث (من بدل دينه فاقتلوه) . قلنا: الجواب على هذا ظاهر في تتمة الآية وهو قوله تعالى: (( إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) )، فهو دليل على أن جميع من كفروا بذلك، أظهروا التوبة والندم على ما بدر منهم، وأنهم كانوا في هذه التوبة طائفتين، الأولى صادقة تابت توبة حقيقية، وهم الذين عفا الله عنهم، والأخرى أظهرت التوبة نفاقا غير صادقة بها في الباطن، وهم الذين توعّدهم الله بالعذاب لأنهم كانوا مجرمين ... أما في الدنيا فالتوبة الظاهرة الحكمية عصمت دماءهم من القتل ... وانظر في هذا كلام ابن حزم في المحلى (11/ 207) .