"الخطأ السابع والعشرون"
عدم العذر بالجهل في المسائل الخفية ونحوها
ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا عدم العذر بالجهل في المسائل الخفية ونحوها من المسائل التي تحتاج إلى تعريف وبيان أو التي لا تعرف إلا من طريق الرسل ..
والصواب في هذا الباب التفصيل؛ فهناك من مسائل الدين ما لا يسع الجهل به، خصوصًا مع حفظ الله لكتابه وبلوغه الآفاق، وقد علّق الله به النذارة، فقال: (( وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) ). فمن ذلك أصل التوحيد، الحنيفية التي خلق الله عليها عباده كما في حديث عياض بن حمار عند مسلم، ويولد المولود ويفطر عليها، كما في الصحيحين؛ فأبواه يحرفانه عنها، وأرسلت الرسل قاطبة بها، وأنزلت الكتب كلها من أجلها ... فمن لم يحققها وصدف عنها فهو كافر معاند مكذب أو كافر معرض جاهل.
قال تعالى: (( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ... ) )إلى قوله سبحانه: (( سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) ) (155 - 157) الأنعام.
ومن مسائل الدين ما هو من المسائل الخفية التي تحتاج إلى بيان، فلا يجوز مساواتها بأصل التوحيد وما يناقضه من الشرك الظاهر والتنديد، أو بما علم من الدين ضرورة وظهر واشتهر فما عاد يخفى على أحد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:(وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال: إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها.
لكن ذلك يقع في طوائف منهم، في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل واليهود والنصارى يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر مخالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك)أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (4/ 37) .
وقد نقل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مفيد المستفيد قول شيخ الإسلام رحمه الله: (أنا من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية، إلاّ إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى و عاصيًا أخرى) .
ثم قال رحمه الله معلقا: (وهذا صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه، لا يذكر عدم تكفير المعين إلاّ ويصفه بما يزيل الإشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية.
وصرح رضي الله عنه أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منهم ردة عن الإسلام كثيرًا، قال:"وهذا إن كان في المقالات الخفية، فقد يقال: أنه"