"الخطأ الثاني عشر"
التكفير بالمآل أو بلازم القول
ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا؛ التكفير بالمآل أو بلازم القول وهو أن لا يصرّح المكلف بقول مكفر، وإنما يصرح بأقوال يلزم عنها الكفر، وهو لا يعتقد ذلك اللزوم (، بل ربما كان لا يعرفه ولا خطر له على بال، فإن لم يعرف صاحب القول لازمه ويلتزمه، فلا يجوز إلزامه به، أو تقويله إياه أو نسبته إليه، ومن ثم تكفيره بذلك اللازم.
يقول ابن حزم رحمه الله: (وأما من كفّر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفرًا. بل قد أحسن إذ قد فرّ من الكفر .. ) إلى أن قال: (فصح أنه لا يكفر أحد إلا بنفس قوله، ونص معتقده، ولا ينفع أحد أن يعبر عن معتقده بلفظ يحسّن به قبحه، لكن المحكوم به هو مقتضى قوله فقط) أهـ. الفصل (3/ 294) .
فالصواب المقرر عند العلماء أن (لازم المذهب ليس بمذهب) .
فقد يتبنى المرء قولًا أو مذهبًا معينًا، ولا يلتزم بلوازمه المكفرة أو غير المكفرة ... وإن تناقض.
والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحكم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم، والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنّهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم.
ومن أمثلة هذا الباب في واقع اليوم بين بعض الشباب؛ زعم بعضهم أن عدم تكفير المشركين أو الطواغيت وأنصارهم، يلزم منه موالاتهم، وعدم البراءة منهم، ومن ثم فكل من لم يكفرهم، فهو كافر، لقوله تعالى: (( ومن يتولّهم منكم فإنه منهم ) ).. إذ عدم تكفيرهم وعدّهم من المسلمين يجعل لهم نصيبًا من الموالاة الإيمانية، ومن لم يُكفّر الطواغيت لم يَكفُر بالطاغوت ومن ثم فهو لم يحقق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
وبالطبع فتكفيرهم بهذا اللازم جعلهم يخرجون من الإسلام جماعات وجماهير عوام المسلمين في هذا الزمان؛ بل وكفّروا خواصهم من المجاهدين والدعاة وطلبة العلم والعلماء، بناء على عدم تكفيرهم لبعض المشايخ الذين لهم اتصال بالحكومات. وذلك تبعًا لتوسيعهم لمصطلح الطاغوت الواجب الكفر به كشرط لتحقيق التوحيد. فالشيخ الفلاني أو العلاني المتصل بالحكومة الطاغوتية، ولا يُكفّرها، قد صنّفوه من الأحبار والرهبان فهو إذن طاغوت، ومن ثم فمن لم يكفّره لم يكفر بالطاغوت ولم يحقق التوحيد!!