فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 102

والصحيح أن الأحبار والرهبان والعلماء شأنهم شأن النواب المشرعين والأمراء والرؤساء والملوك. لا يعتبرون أربابًا لكل من لم يكفرهم ... وإنما يصيرون أربابًا وطواغيت معبودين لمن تابعهم على كفرهم وأطاعهم في تشريعاتهم. فلا يكون اتخاذهم أربابًا وطواغيت معبودين بمجرد عدم تكفيرهم، دون اقتراف ذلك أو التزامه. ويتأكد ذلك إذا كان عدم تكفيرهم لشبهة قيام مانع من موانع التكفير أو جهل نص أو عدم بلوغه، أو خفاء دلالة النصوص أو تعارضها في أذهان العوام الضعفاء في العلم الشرعي.

ومجرد ضلال العالم أو إضلاله أو تلبيسه أو اتصاله بالحكومات الكافرة وإن صار به رأس ضلالة، أو أدى إلى كفره باقتحام أي سبب من أسباب الكفر، لا يلزم منه كونه طاغوتًا .. إذ كل طاغوت كافر، وليس كل كافر طاغوتا.

والخلاصة أنه إنما يصير طاغوتًا إذا انطبق عليه تعريف الطاغوت المستفاد من الشرع: وهو كل من عبد من دون الله بأي نوع من أنواع العبادة التي يكفر من صرفها لغير الله، وهو راضٍ بذلك.

كأن يشرّع من دون الله ما لم يأذن به الله، أو يُتحاكم إليه في غير ما أنزل الله، أو نحو ذلك مما يندرج تحت هذا التعريف الشرعي لا التعريفات اللغوية العامة التي قد يدخل تحتها العصاة والظلمة وغيرهم، ولا اصطلاحات البعض المطاطة التي يدخلون تحتها ما يهوون ويشتهون.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (29/ 25 - 26) :

(فلازم قول الإنسان نوعان:

أحدهما: لازم قوله الحق: فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، فإن لازم الحق حق ويجوز أن يضاف إليه إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره.

والثاني: لازم قوله الذي ليس [1] بحق، فهذا لا يجب التزامه، إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين، ثم إن عرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له، فقد يضاف إليه، وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه، وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا [2] يلزمه.

وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب: هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما، فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضًا) أهـ.

والخلاصة: أن التكفير باللازم والمآل من المعوصات كما تقدم عن العلماء. وقال الشوكاني: (التكفير بالإلزام، من أعظم مزالق الأقدام، فمن أراد المخاطرة بدينه، فعلى نفسه جنى) أهـ. من السيل الجرار (4/ 580) .

(1) ـ في طبعة دار ابن حزم (لي) .

(2) ـ لعل هنا سقط (ما) والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت