"الخطأ السادس عشر"
عدم التفريق بين التولي المكفّر وبين معاملة الكافر بالمعروف
ومن الأخطاء الشائعة في التكفير؛ عدم التفريق بين التولي المكفر، وبين معاملة الكافر بالمعروف أو الإحسان إليه وبِرّه لمصلحة دعوة أو نحوها.
فالمعاشرة والمصاحبة بالمعروف للوالدين الكافرين ثابتة بالكتاب والسنة؛ كما قال تعالى: (( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، وصاحبهما في الدنيا معروفًا ) ) (لقمان: 15) .
ومحبة الخير والهداية لهما أو لغيرهما من الكفار، شيء غير محبتهم ومودتهم وموالاتهم المنهي عنها. وقد فرّق الله تعالى بين الأمرين بقوله: (( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) ) (الممتحنة: 8 - 9) .
ففرق الله تعالى بين البر والإقساط والإحسان، وبين التولي المكفر. ولم ينه عن الأولى، ونهى عن الثاني هنا وفي مواضع أخرى من كتابه.
ومعلوم أن للمسلم أن يتزوج الكتابية الكافرة، وإذا جاز له ذلك، جازت دون شك مجالستها ومؤاكلتها ومصافحتها وملاعبتها وغير ذلك من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها الأزواج أمرًا عامًا، وجعل بينهم أيضًا رحمة ومودة طبيعية، فللزوجة الكافرة من ذلك مودة خاصة مستثناة من عموم النهي عن موادة الكفار.
وهذا كله ينبه إلى عدم انضباط إطلاقات بعض المتهورين في التكفير في هذه الأبواب. والذي يهمني التنبيه إليه في هذا الموضع؛ أن مقام الدعوة وتأليف القلوب، وبيان الدين بالحكمة والموعظة الحسنة؛ يشرع فيه من اللين في الخطاب والجدال بالتي هي أحسن والمعاملة بالحسنى والطلاقة، ويتأكد ذلك في المقبلين على سماع الدعوة، ما لا يتعارض بحال مع الغلظة والشدة والمراغمة التي أمر الله تعالى بها في مقامها في الجهاد والقتال؛ فقال سبحانه وتعالى: (( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) )وقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) ).
فمجال القتال ومراغمة أعداء الله وردع الشانئين ومجاهدة الزنادقة والطاعنين والمستهزئين ونحوهم ... غير مجال الدعوة والبلاغ الذي قال الله تعالى فيه: (( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) )... فأمر الله تعالى بإجارة المشرك وحمايته وتأمينه، وإن كان حربيًا مادام قد أظهر الرغبة في سماع الدعوة، وهذا مستلزم ويدل بدلالة الإشارة على جواز إكرامه، بمعنى إطعامه وإيوائه ومعاملته ومعاشرته بالمعروف حتى يسمع الدعوة