فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 102

من الأعراب والعوام الذين كان صلى الله عليه وسلم يعاملهم بالإسلام الظاهر ... كانوا يعرفون تفاصيل ذلك كله أو أنهم هم أو غيرهم كانوا يلزمون بذلك ويشترط عليهم ليحكم لهم بالإسلام.

وقد قدمنا أن الكفر وإن كان قد يكون بأحد أسباب أربعة: إما قول أو فعل أو شك أو اعتقاد. أو بأكثر من سبب منها. إلا أن التكفير في أحكام الدنيا إنما ينحصر فقط في القول المكفر أو الفعل المكفر أو بهما معًا ...

أما الاعتقاد والشك فهو من أسباب الكفر الأخروية الباطنية التي أمرها إلى الله وليس إلينا؛ إذ لا سبيل في أحكام الدنيا إلى ضبطها وإعمالها واعتبارها، وقد علمت أن الشارع ربط الأحكام والمسبَّبات في الدنيا بأسباب وأوصاف ظاهرة منضبطة غير خفية ولا مغيبة، وذلك كي يتمكن المكلفون من التعامل معها؛ ولذلك يعامل من أبطن الكفر ولم يظهره بقول أو عمل كما هو حال المنافقين بمعاملة المسلمين في أحكام الدنيا، فيعصم إسلامهم الحكمي الظاهر دماءهم وأموالهم ثم مصيرهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار ..

تنبيه: استثنى البعض من ذلك الزنديق [1] : وهو من تكررت ردته واشتهر تلاعبه وطعنه في الدين، وعوده واستتابته، وكثرت منه المحتملات والمعاريض واشتهرت مصاحبته لأهل الريب والزندقة.

فمذهب مالك رحمه الله عدم قبول توبته وكذا أحمد في أشهر الروايتين عنه. ومذهب الشافعي قبولها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق، فقيل يستتاب واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل أمرهم إلى الله.

فيقال له: هذا كان في أول الأمر، وبعد هذا أنزل الله: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا) فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا، فكتموه. والزنديق: هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق.

قالوا: ولا تعلم توبته؛ لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق، ولو قبلت توبة لزنديق لم يكن سبيل إلى تقتيلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتيل) أهـ مجموع الفتاوى (7/ 137) .

والمرجع في هذا والله أعلم إلى الاجتهاد وتقدير المصالح والمفاسد ومعرفة الواقع؛ من ازدياد الشر والاستخفاف بالدين وتجرّؤ الناس عليه، فمتى وجد مثل هذا شدّد على المتلاعبين الزنادقة وشرّد بهم من خلفهم، خصوصًا إن توفرت القدرة عليه، فقد علمت تنوّع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته في أمثالهم في حال ضعف المسلمين، وعند قوة شوكتهم.

(1) ـ الزنديق: لفظة أعجمية شاعت في لسان الفقهاء لما كثر الأعاجم في المسلمين (الفتاوى 7/ 290) . وقال سهل بن عبد الله التستري: (وإنما سمي الزنديق زنديقًا لأنه وزن دقّ الكلام بمخبول عقله، وترك الأثر وتأول القرآن بالهوى) أهـ عن معارج القبول. وأصله في كتاب العلو للذهبي انظر المختصر ص (220) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت