"الخطأ التاسع والعشرون"
عدم التفريق بين كفر الردة وبين كفر التأويل والتسوية بينهما
ومن أخطاء التكفير أيضًا عدم التفريق بين كفر الردة وبين كفر التأويل والتسوية بينهما ..
والمراد بكفر التأويل هنا: ما يحكم به العلماء على كثير من أهل البدع كالقدرية والمعتزلة والجهمية ونحوهم من التكفير، فهؤلاء وإن أطلق العلماء التكفير على بدعهم ومقالاتهم، بل وأطلقوا التكفير على الطائفة منهم كقولهم: (الجهمية كفار) ونحوه، لكنهم عند تنزيل الأحكام على الأعيان، يفصلون، ولا يكفرون إلا بعد إقامة الحجة، مع الخلاف فيمن كان داعية منهم وغيره.
ومن ثم فالصواب أن لا يرتب على إطلاق التكفير عليهم قبل ذلك ما يرتبونه على المرتد ردة صريحة يبرأ فيها من الدين، لأن كفرهم ليس كفر تحول عن الإسلام إلى دين آخر بل هم يتمسكون بالإسلام ويتولونه ولا يرضون بدين وملة غيره، ولا هو من جنس ارتكاب نواقض الإسلام الواضحة والمكفرات الصريحة كسب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم صراحة، بل في بدعهم من اللبس والإشكال، وتأول بعض النصوص بدعاوى التنزيه والتعظيم لله تعالى ونحوه ما يوجب إقامة الحجة عليهم وإزالة الشبهة قبل تكفيرهم، فلا يجوز مساواتهم بالمرتد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدّل دينه فاقتلوه) ، إلا بعد وضوح الحجة والمعاندة والإصرار على الكفر الصراح. وسبب ذلك أن غالب كفرهم إنما يكون باللازم والمآل، وقد تقدم الكلام فيه.
قال القاضي عياض في (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) (2/ 272) : (فصل، وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر، ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى والبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة [1] ، أو نفي صفة كمال فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده، واختلف قول مالك وأصحابه في ذلك، ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة، وأنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا وإنما اختلفوا في المنفرد منهم، فأكثر قول مالك وأصحابه ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم ... ) أهـ.
ولعل الخلاف الذي ذكره في كلام السلف والعلماء في أهل التأويل، ينضبط ويأتلف إذا ميّز وفرّق بين أقاويلهم في التكفير المطلق أو تكفير الطائفة، وبين تكفيرهم للأعيان كما تقدم، وسيأتي نحو هذا التوجيه لشيخ الإسلام.
والخلاصة: أنه لا تصح مساواة كفر التأويل، بكفر الردة الذي فيه تبديل للدين وانتقال إلى دين آخر وبراءة من دين الإسلام، أو بالكفر الصريح المعلوم من الدين ضرورة؛ فضلًا عن مساواة أهله
(1) ـ تنبّه؛ فإن الأشاعرة قد يعنون بمثل هذا إثبات الصفات حتى ولو على طريقة أهل السنة، فالقاضي أشعري.