فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 102

"الخطأ الخامس عشر"

عدم التمييز بين الإيمان الحقيقي والإيمان الحكمي

ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا؛ عدم التمييز بين الإيمان الحقيقي والإيمان الحكمي، وبين التوبة الباطنة والتوبة الحكمية.

فالإيمان الحقيقي: من أمور الغيب الباطنة التي حكمها إلى الله، وهو الذي تجري عليه أحكام الآخرة عند الله من الثواب والعقاب.

والإيمان الحكمي: هو الظاهر، الذي يفرق به بين المسلم والكافر، وهو المرادف للإسلام الحكمي الذي يعصم به الدم والمال، وهذا يثبت ابتداء بالإقرار بالشهادتين، أو ما يقوم مقامها من خصائص الإسلام. مع عدم التلبس بناقض من نواقض الإسلام الظاهرة.

قال شيخ الإسلام في كتاب الإيمان: (الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا، لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة) أهـ. الفتاوى (ط دار ابن حزم) (7/ 133) .

وقد فرق الله تعالى بين نوعي الإيمان هذين في قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن، فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) ) (الممتحنة: 9) . فقوله تعالى: (( الله أعلم بإيمانهن ) )؛ أي: بحقيقة إيمانهن. وقوله: (( فإن علمتموهن مؤمنات ) )؛ أي: بحسب ما يظهر لكم وهو الإيمان الحكمي. ولهذا كان سفيان الثوري وابن المبارك وغيرهم من السلف يقولون: (الناس عندنا مؤمنون في المواريث والأحكام، ولا ندري كيف هم عند الله عز وجل) [1] .

وعلى هذا فشروط (لا إله إلا الله) ونواقض الإسلام التي يعددها العلماء في كتبهم؛ منها ما هو متعلق بالإيمان الحقيقي، وهي الشروط والنواقض المغيبة التي لا يعلمها إلا الله كالإخلاص أو ما ينقاضه من الشرك الباطن، والصدق وما يناقضه من التكذيب القلبي، واليقين وما ينقاضه من الشك ... ونحو ذلك من الأمور المغيبة التي لا يطلع عليها إلا الله؛ لا يصح ولا يصلح التكفير بها في أحكام الدنيا لأنها أسباب غير ظاهرة ولا منضبطة فكيف يناط حكم التكفير بها؟ وإنما ينظر في أحكام الدنيا إلى ما ظهر من تلك الشروط أو النواقض، فيثبت الإسلام الحكمي ويعامل الإنسان معاملة المسلمين فيعصم دمه وماله إن أتى بشروط الإسلام الحكمي ويوكل أمر سريرته إلى الله.

وأيضًا لا يشترط للإسلام الحكمي بل ولا للحقيقي ما يظنه البعض من لزوم حفظ شروط (لا إله إلا الله) أو حفظ معناها ونواقضها، ومعرفة تفاصيلها كما شرحها العلماء في كتبهم ... فلا أحد يستطيع أن يزعم أن الأمة التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم (أين الله) وحكم لها بالإيمان، أو غيرها

(1) ـ أخرجه الخلال في السنة، (3/ 567) ، وابن بطة في الإبانة الكبرى (2/ 872) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت