فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 102

"الخطأ السبع عشر"

الخلط بين التولي المكفر

وبين المداهنة المحرمة أو المداراة المشروعة

ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا؛ الخلط بين التولي المكفر وبين المداهنة المحرمة أو المداراة المشروعة، فالمداهنة فضلًا عن المداراة ليستا من التولي المكفر، بل الأولى محرمة، والثانية جائزة شرعًا. وبعض المتحمسين لا يفرق بينهما، ويضيّق ويشدّد فيما لم يشدد الله فيه، وينكر ما هو مندوب وليس بمنكر.

بل قد رأيت من الغلاة من يكفر بمحض المداراة، وذلك شطط عن الحق وضلال. فلذلك لزم التنبيه على هذا في أخطاء التكفير، والتمييز بين كل نوع من هذه الأمور ...

قال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لكتاب الأدب من صحيح البخاري (باب المداراة مع الناس) في كلامه على ما علقه البخاري من قول أبي الدرداء"إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم":(الكشر بالشين المعجمة وفتح أوله ظهور الأسنان، وأكثر ما يطلق عند الضحك ...

قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول. وذلك من أقوى أسباب الألفة.

وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة.

والفرق أن المداهنة: من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.

والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حتى لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك).

قال: (ومما ورد فيه صريحًا حديث لجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مداراة الناس صدقة) أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر، ضعفوه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وأخرجه ابن أبي عاصم في"آداب الحكماء". بسند أحسن منه) أهـ

ونقل قول القرطبي تبعًا لعياض:(الفرق بين المداراة والمداهنة:

أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، أو هما معًا، وهي مباحة وربما استحبت.

والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا)أهـ. فظهر من هذا أن المداراة جائزة بل مستحبة أحيانًا.

أما المداهنة: بذل ما كان بذله من الدين لصلاح الدنيا، محرمًا لا كفرًا.

فلا يحل والحال كذلك أن يكفر بعض المتعنتين مخالفيهم لمجرد مداهناتهم لأعداء الله التي هي من قبيل المصانعة والإكرام، أو السكوت عن إنكار منكراتهم وفسوقهم وباطلهم دون أن يقروهم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت