فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 102

كفر أو طعن في الدين. خصوصًا وأن أكثر أولئك المخالفين في واقع اليوم يتعذرون لأكثر إدهاناتهم، إما بالخوف والاستضعاف، أو بالاستصلاح.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغشى الكفار في مجالسهم يسمعهم دعوته ويصبر على أذاهم في مكة وفي المدينة أيضًا، كما في الحديث المتفق عليه الذي أورده البخاري في كتاب الأدب (باب كنية المشرك) عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني حارث بن الخزرج قبل وقعة بدر فسارا، حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أُبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أُبي أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقًا، فلا تؤذنا به في مجالسنا فمن جاءك فاقصص عليه، قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا. فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتساورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي سعد ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟ يريد عبد الله بن أبي ... الحديث)

وفيه كما نقل الحافظ عن ابن بطال؛ (جواز تكنية المشركين على وجه التألف إما رجاء إسلامهم أو لتحصيل منفعة منهم ... ) ؛ هذا مع أن النووي يقول في التكنية: (الأدب أن يخاطب أهل الفضل ومن قاربهم بالكنية) ويقول: (وقد كان الأُوَل أكثر ما يُعظّم بعضهم بعضا في المخاطبات والمكاتبات ونحوها بالكنى، ويرون ذلك في غاية الرفعة ونهاية التعظيم) أهـ. الأذكار.

وفيه جواز غشيان المشركين في مجالسهم ومجالستهم لأجل دعوتهم ومخاطبتهم بالحكمة واللين والموعظة الحسنة رجاء إسلامهم وقد قال تبارك تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ... ) وقد قدمنا لك في غير هذا الموضع، ما هو من جنسه أشياء أخرى.

والشاهد أن هذا كله جائز مشروع لا ينكره إلا غافل أو جاهل بسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وهديه وسيرته.

ومن ثم فالتكفير بأشياء منه شرٌّ وأخبث من بدعة الخوارج المكفرين بالمعاصي والذنوب.

والخلاصة؛ أنه لا تجوز التسوية بين ذلك كله، فإنه خلاف العدل والقسط الذي أنزل الله به الكتاب والميزان.

والله جل ذكره قد بين في كتابه أن المخالفات الشرعية لا تستوي كلها ... بل منها ما هو كفر، ومنها ما هو فسوق ومنها ما هو من العصيان. فقال تعالى: (( وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان ... ) ).

والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الذنوب منها ما هو من جنس الصغائر، ومنها ما هو من الكبائر والموبقات. فالشرع لا يفتقر إلى الزواجر .. حتى يبتدع ويضع له الغلاة والمتعنتون من تشديدهم وتعنتهم وتكفيرهم زاجرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت