"الخطأ التاسع عشر"
التكفير بدعوى أن السكوت عن الحكام يستلزم الرضى بكفرهم
وعدم اعتبار حال الاستضعاف
ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضًا؛ عدم اعتبار حال الاستضعاف، والتكفير بدعوى أن السكوت عن الحكام الكفرة، وعدم السعي في تغييرهم وجهادهم يستلزم الرضى بكفرهم.
ولقد رأيت بعض الغلاة من أهل الحماس الأجوف لا يرحمون عوام المسلمين ولا يعتبرون حال الاستضعاف الذي عم المسلمين في ديارهم اليوم. بتسلط كفرة الحكام. ويحملونهم ما لا يطيقون، فيلزمونهم العمل والجهاد لتغيير كفر الأنظمة الحاكمة؛ وإلا اعتبروهم راضين بالكفر لسكوتهم عنه وعدم سعيهم في تغييره ... وقد رموا بذلك كل من قعد عن جهاد الطواغيت، ولم يعتبروا الاستطاعة ولا فرقوا بين حال القوة وحال الاستضعاف.
وربما استدلوا ببعض آيات الوعيد التي يتوعد الله فيها القاعدين عن الجهاد والمتخلفين عن النفير عند وجوبه، كقوله تعالى: (( إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا ) ).
ولاشك أن جهاد الكفار المتسلّطين المستولين على أزمة الأمور في بلاد المسلمين وقتالهم لدحر شركهم، وإخراج العباد من عبادتهم إلى عبادة الله وحده، ومن ظلمات تشريعاتهم إلى عدل ونور الإسلام، هو من إقامة التوحيد في الأرض ومن أوجب الواجبات التي افترضها الله على عباده [1] .
لكن ومع هذا فإن تارك الجهاد الواجب لم يناقض بمجرد ترك الجهاد أصل الإيمان ليحكم بتكفيره ... وإنما قصّر في الإيمان الواجب، ولذلك فالوعيد في حقه هو الوعيد الذي يطلق في حق عصاة الموحدين، لا الوعيد الذي توعد الله به الكافرين.
فلابد من التمييز بين نوعي الوعيد، كي لا يحصل الخلط، بين الأعمال المكفرة وغيرها ..
إن التوعد على ترك الجهاد الواجب بالعذاب الأليم أو الوعيد لمن لم يغز أو يحدث نفسه بالغزو بأنه يموت على شعبة من نفاق [2] أو نحو ذلك مما توعدت به الشريعة المقصرين في الواجبات، كل ذلك ونحوه من الآيات التي استدل بها الخوارج على تكفير القعدة لا يصلح ولا يكفي وحده للدلالة على التكفير. ومن ثم فلا يجوز تكفير عوام المسلمين بسبب قعودهم أو تقصيرهم في تغير واقع الأنظمة المرتدة أو بدعوى سكوتهم عن الحكام الكفرة.
فقد دلت أدلة الشرع المبينة لهذا أنه مقيد بالاستطاعة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي سعيد الخدري: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .
(1) ـ وقد بسطنا الأدلة على ذلك في كتابنا (نزع الحسام في وجوب قتال كفرة الحكام ومنازعة الولاة حتى يكون الدين كله لله ... ) .
(2) ـ كما في حديث أبي هريرة مرفوعًا عند مسلم وغيره.