فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 102

فدل هذا البيان على أمرين في هذا الباب، الأول؛ أن وجوب السعي في التغيير منوط بالاستطاعة، والثاني؛ أن الساكت لا يجوز تقويله ما لم يقله أو الحكم عليه بالرضا عن المنكر الذي لم يستطع تغييره، ما لم يظهر ذلك الرضا بقول أو عمل، إذ الحديث يبين أن الساكت قد يكون منكرًا بقلبه، فيبقى بذلك من أهل الإيمان وإن كان إيمانه ضعيفًا. فضعف الإيمان شيء غير الكفر.

ولاشك أن ضعف الإيمان ووهنه قد دب وفشا في كثير من المسلمين، وهذا من أسباب تسلط الطواغيت والمرتدين عليهم. ولكن للتكفير أسبابه الظاهرة المنضبطة وأدلته الصريحة الواضحة.

ثم وجدناه صلى الله عليه وسلم قد زاد الأمر بيانًا وإيضاحًا في حديث آخر لمسلم عن عبد الله بن مسعود؛ فقال:"ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي؛ إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

فدل هذا على أن المنكر بقلبه إن اجتنب باطلهم مجاهد لا يجوز نسبته إلى الرضا عنهم ما لم يظهر ذلك بقول أو عمل وهو مؤمن لا يحل تكفيره بالظن والخرص والاحتمالات.

ثم زاده صلى الله عليه وسلم بيانًا وبيانًا بما رواه مسلم أيضًا عن أم سلمة: (إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع) .

قال النووي في شرح كتاب الإمارة من صحيح مسلم: ("فمن كره فقد برئ"معناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ ... ) إلى قوله: ("ولكن من رضي وتابع"معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه) أهـ.

ففي هذا البيان أن إنكار المسلم وكراهته بالقلب براءة له من الكفر والظلم، مادام مجتنبًا لباطلهم غير متلطخ بكفرهم ولا معين أو متابع لهم ...

وفيه أن المذموم الهالك إنما هو من تابع ورضي أو ناصر وأعان ... والرضى القلبي وإن كان من أسباب الكفر، لكنه لما امتنع علينا ضبطه واعتباره لم ينط به التكفير في أحكام الدنيا، إلا أن يظهر بقول أو عمل، أما من لم يظهر منه قول أو عمل يدل على الرضا، فلا يحل نسبة الرضى إليه بمجرد سكوته. ولذلك نص الفقهاء في قواعدهم الفقهية أنه (لا ينسب إلى ساكت قول) [1] .

(1) ـ القواعد الفقهية للسيوطي ص (266) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت