فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 102

"الخطأ الثامن عشر"

الخلط بين التولي المكفر وبين التقية الجائزة

ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا، الخلط بين التولي المكفر وبين التقية الجائزة.

فالتولي المكفر: هو نصرة الكفار ومظاهرتهم على الموحدين باللسان أو بالسنان، أو تولي كفرهم وشركهم وإعانتهم عليه .. وقد قال تعالى فيه: (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ).

أما التقية؛ فهي جائزة للمسلم إن خاف الكفار، كما قال تعالى: (( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) )، وهي الحذر من الكفار بإخفاء المعاداة، ومداراتهم حال الخوف منهم بشرط أن لا يعينهم على كفر أو يتولاهم أو يرتكب شيئًا من المكفرات.

فهي رخصة للمسلم المستضعف، لا يحل الطعن في دينه أو رميه بالنفاق لأجلها أو تكفيره بمجردها، وإلزامه بإظهار العداوة للكفار والمراغمة لأعداء الله كشرط لصحة إسلامه.

فإظهار العداوة وإن كان هو الأكمل والأفضل، وهو صفة الطائفة المنصورة القائمة بدين الله، لكن ذلك لا يلزم كل أحد، خصوصًا المستضعفين، وإنما يكفيهم منها وجود أصلها في القلب، وما لم يناقضوه بعمل مكفر كالتولي أو نحوه، فلا يحل تكفيرهم بالتقية وحدها، فهي شيء غير الموالاة.

قال ابن القيم رحمه الله: (ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة ولكن لما نهاهم الله عن موالاة الكفار، اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعداوة في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم، فأباح لهم التقية، وليست التقية بموالاة) أهـ بدائع الفوائد (2/ 69) .

ومما يدل على أن التقية غير الموالاة المكفرة ... أن التقية تجوز مع مجرد الخوف دونما إكراه. بينما لا يجوز إظهار التولي إلا مع الإكراه الحقيقي، والخوف وحده ليس عذرًا في التولي، ولذلك أنكره الله تعالى على من تعذر به، بعد قوله (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) )فقال: (( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ... ) )الآيات. فوصفهم تعالى بأن في قلوبهم مرض ثم أكد سبحانه كفرهم بحبوط أعمالهم فقال تبارك وتعالى: (( حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) )فلم يجعل الخشية التي هي ليست إكراها، عذرًا في إظهار التولي ... بخلاف التقية.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في أول كتاب الإكراه، عند ما علقه البخاري من قول الحسن البصري."التقية إلى يوم القيامة": (ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير) أهـ.

فالذي يباح تركه حال التقية إنما هو إظهار العداوة وإبداؤها، لا ترك أصلها. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: (ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة.

فالأول: يعذر به مع الخوف والعجز، لقوله تعالى:"إلا أن تتقوا منهم تقاة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت