فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 102

"الخطأ الثاني والعشرون"

تكفير كل من عمل في وظائف الحكومات الكافرة دون تفصيل

ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضًا تكفير كل من عمل في وظائف الحكومات الكافرة دون تفصيل.

والصواب التفصيل في حكم العمل في وظائف الحكومات الكافرة، فلا نقول أنها كلها كفر، ولا أنها كلها حرام، بل ما كان فيه سبب من أسباب الكفر، من الأقوال أو الأعمال الظاهرة، فهو وظيفة مكفرة كالمشاركة في تشريع قوانينهم الكفرية، أو أن يكون في الوظيفة قسم على احترام قوانينهم والولاء لطواغيتهم، أو نصرة القوانين، أو مظاهرة لعبيدها على المسلمين إلى غير ذلك مما هو كفر ظاهر، وأما ما كان فيها معصية أو تعاون على الإثم والعدوان، فهي وظيفة محرمة يأثم صاحبها ... ولكن لا يحل التكفير بها وحدها، مادام ليس فيها سبب مكفر ...

وما لم تكن الوظيفة من النوع المكفر أو المحرم ... فلا نقول فيها إلا بالكراهة ... وإنما قلنا بالكراهة خوفًا من أن تصير ذريعة إلى تسلط أعداء الله على المسلم وتحكمهم بحقوقه أو محاولة إذلاله.

فقد روى البخاري في صحيحة في كتاب الإجارة (باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب) عن خباب رضي الله عنه قال: كنت رجلًا قينًا، فعملت للعاص بن وائل، فاجتمع لي عنده، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله، لا أقاضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموت ثم تُبعث فلا. قال: وإني لميت ثم بمعوث؟! قلت: نعم، قال: فإنّه سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك، فأنزل الله تبارك وتعالى: (( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالًا وولدًا ) ). وهذا كان في مكة وهي آنذاك دار حرب، واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على شأنه ...

قال ابن حجر في الفتح: (ولم يجزم المصنف بالحكم، لاحتمال أن يكون مقيدًا بالضرورة، أو أن جواز ذلك كان قبل الإذن في قتال المشركين ومنابذتهم، وقبل الأمر بعدم إذلال المؤمن نفسه) ثم نقل عن المهلب قوله:(كره أهل العلم ذلك -أي العمل عند المشركين- إلا لضرورة بشرطين:

أحدهما: أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله. والآخر: أن لا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين)أهـ.

ويجب التنبّه إلى أن كلامهم هذا، في مثل حال خباب الذي كان قينًا، أي: حدادًا، وقد أجر نفسه في عمل معيّن للعاص، أي أنه لم يكن مرتبطًا معه بعقدٍ شبه دائم منذ تسلمه العمل وحتى التقاعد كما هو حال الوظائف التي يرتبط بها الناس في هذا الزمان، حيث يكون مجال تسلط أرباب العمل وتحكمهم وإذلالهم للموظف آكد ... فلا شك أن كراهيتهم لذلك ستكون أشد وأولى من كراهتهم للمؤاجرة المؤقتة عند الكفار. هذا مع التنبيه إلى احتمال إرادتهم بالكراهة هنا التحريم كما كان في اصطلاح الأوائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت