التفصيل الذي قدمناه لك في فصل شروط وموانع التكفير؛ لم يجز المبادرة إلى تكفيرهم قبل الاستتابة أي إقامة الحجة والنظر في الشروط والموانع وقد تقدم قول شيخ الإسلام: (وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل) أهـ مجموع الفتاوى (7/ 609 - 610) .
* فائدة: ومما يصلح إلحاقه بهذا الموضع والتنبيه عليه؛ التفريق بين الردة المجردة التي يستتاب صاحبها، وبين الردة المغلظة التي لا استتابة فيها:
وذلك أن الردة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص (366) فصاعدًا؛ (وقد رأينا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فرقت بين النوعين فقبل توبة جماعة من المرتدين، ثم إنه أمر بقتل صبابة يوم الفتح من غير استتابة لما ضم إلى ردته قتل المسلم وأخذ المال ولم يتب قبل القدرة عليه، وأمر بقتل العرنيين لما ضموا إلى ردتهم نحوًا من ذلك، وكذلك أمر بقتل ابن خَطَل لما ضم إلى ردته السب وقتل المسلم وأمر بقتل ابن أبي سرح لما ضم إلى ردته الطعن عليه والافتراء؛ وإذا كان الكتاب والسنة قد حكما في المرتدين بحكمين، ورأينا أن من ضرّ وآذى بالردة أذى يوجب القتل لم يسقط عنه القتل إذا تاب بعد القدرة عليه، وإن تاب مطلقًا، دون من بدّل دينه فقط، لم يصح القول بقبول توبة المرتد مطلقًا، وكان الساب من القسم الذي لا يجب أن تقبل توبته ... ولأن المرتد المجرد إنما نقتله لمقامه على التبديل، فإن عاود الدين الحق زال المبيح لدمه كما يزول المبيح لدم الكافر الأصلي بإسلامه، وهذا الساب أتى من الأذى لله ورسوله ... بما أتى به وهو لا يقتل لمقامه عليه، فإن ذلك ممتنع، فصار قتله كقتل المحارب باليد. وبالجملة فمن كانت ردته محاربة لله ورسوله بيد أو لسان فقد دلت السنة المفسرة للكتاب أنه من كفر كفرًا مزيدًا لا تقبل توبته منه.) أهـ.
والخلاصة: أنه كما يجب التفريق بين الكفار الممتنع وغير الممتنع في وجوب استتابة الأخير دون الأول. فكذلك يجب التنبه إلى الفرق بين الردة المجردة والردة المزيدة المغلظة، في وجوب استتابة من كانت ردته مجردة، وعصمته وحقن دمه برجوعه إلى الإسلام، وعدم وجوب ذلك فيمن غلّظ الردة، وحتى لو تاب ورجع إلى الإسلام قبل قتله لم يحقن ذلك دمه ولم يرفع عنه القتل، لتعلق القتل بأمور مزيدة على الردة وتبديل الدين، كشتم الرسول وقتل المسلم وزنا المحصن ونحو ذلك من الحدود التي لا تسقط بالتوبة لتعلق حقوق العباد بها، وهذا مما يخالف به المرتد الكافر الأصلي كما بين شيخ الإسلام في مواضع أخرى من الصارم.
ومنه تعرف الفرق أيضًا بين القتل ردة والقتل حدًا، فالثاني تجري عليه أحكام المسلمين بعد قتله فيغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ويورث ماله لأهله، بخلاف الأول فإنه تجري عليه أحكام الكفار.