"الخطأ الرابع عشر"
الخلط وعدم التمييز في التكفير بين ما هو من أصل الإيمان أو نواقضه
وبين ما هو من الإيمان الواجب أو المستحب
ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا؛ الخلط وعدم التمييز في التكفير بين ما كان من أصل الإيمان أو نواقضه وبين ما هو من الإيمان الواجب أو المستحب، وهذا الخلط يوقع في التخبط في التكفير ... وبيان ذلك أن الإيمان ينقسم إلى: أصل، وواجب، ومستحب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان في تعريفه: (وهو مركب من أصل لا يتم بدونه [1] . ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة) أهـ.
-فأصل الإيمان: هو ما لا يوجد الإيمان بدونه، ولا نجاة من الكفر إلا به، وهو الذي يسمى (مطلق الإيمان) وهو يشتمل على شعب لا يصح الإيمان إلا بها:
فعلى القلب: معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إجمالًا، والتصديق به. والانقياد له مع الإتيان بأعمال القلب التي لا يصح الإيمان إلا بها كالمحبة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والرضا والتسليم به ونحو ذلك من أعمال القلوب.
وعلى اللسان: الإقرار بالشهادتين.
وعلى الجوارح: الصلاة التي يكفر تاركها، وكذلك سائر المباني عند بعض العلماء تبعًا للخلاف في كفر تاركها.
وضابط ما يدخل في أصل الإيمان: أن كل قول أو عمل يكفر تاركه، ففعله من أصل الإيمان، وكل قول أو عمل يكفر فاعله فتركه من أصل الإيمان. ومن أتى بأصل الإيمان دخل الجنة، إما ابتداء وإما مآلًا، إذ هو من الموحدين، والجنة أعدت للموحدين وهي مصيرهم، وإن قصّروا في الإيمان الواجب.
-والإيمان الواجب: وهو ما زاد عن أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات.
وضابط ما يدخل في الإيمان الواجب: أن كل عمل ورد في تركه وعيد ولم يكفر تاركه ففعله من الإيمان الواجب، كأداء الأمانة وبر الوالدين والجهاد الواجب وصلة الرحم ونحو ذلك. وكل عمل ورد في فعله وعيد ولم يكفر فاعله فتركه من الإيمان الواجب، كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر والكذب.
ومن قصّر في الإيمان الواجب، فترك واجبًا أو فعل محرمًا، فإن كان عنده أصل الإيمان، فهو من أصحاب الكبائر، أو عصاة الموحدين، أو من يسمى (بالفاسق الملي) أي أنه مع فسقه لم يخرج من الملّة، فمن مات على هذا فهو من أهل الوعيد، ولكنه في المشيئة عند أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج
(1) ـ لو قال رحمه الله: (أصل لا يصح بدونه) لكان أدق وأمنع، لأن الإيمان لا يتم بأصله فقط، بل بمراتبه الثلاث التي يسمى بمجموعها الإيمان الكامل التام.