والمعتزلة إن شاء الله غفر له وأدخله الجنة ابتداء بلا عذاب، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه، ثم يكون مصيره إلى الجنة، مصير الموحدين، بما معه من أصل الإيمان.
كما في حديث أبي هريرة عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود) .
ومن أتى بالإيمان الواجب مع أصل الإيمان، ولم يقصر فيه، ولم يزد عليه فهذا هو المؤمن المستحق للوعد السالم من الوعيد، أي أنه يستحق دخول الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب، وفي أمثال هؤلاء قيل حديث (أفلح إن صدق) لما قال أحدهم للنبي صلى الله عليه وسلم: (والذي أكرمك بالحق لا أطوّع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا) رواه البخاري.
-أما الإيمان المستحب: فهو ما زاد عن الإيمان الواجب، من فعل المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمشتبهات، فمن أتى بهذا مع أصل الإيمان والإيمان الواجب فهو من السابقين المحسنين الذين يستحقون دخول الجنة ابتداء في درجة السابقين بالخيرات بإذن الله، وفوات هذه الرتبة، يفوّت علو الدرجة ولا عقاب عليها ولا عذاب.
ومن هذا التفصيل يتلخص لدينا هذه القاعدة: (أن كل طاعة إيمان وليس كل معصية كفر أكبر) . فكما أن الطاعات تتفاوت مراتبها، فمنها ما يدخل في أصل الإيمان وتعتبر شرطًا للإيمان، ومنها ما يدخل في الإيمان الواجب، ومنها ما يدخل في الإيمان المستحب. كما في حديث: (الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه. فكذلك المعاصي منها ما يُخل بأصل الإيمان، وتسمى كفرًا أو ناقضًا. ومنها ما يُخل بالإيمان الواجب وتسمى فسقًا.
فلابد من معرفة كل درجة وما يتعلق بها، والتفريق بين ما يكفّر به وبين ما لا يكفّريه. قال تعالى: (ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) فتأمل تفريق الله تعالى بين الكفر وبين الفسوق والعصيان، فلا تسلم قدم التسليم للعبد حتى يفرّق بين ما فرّق الله بينه، ويجمع ويؤلف بين ما ألّف الله بينه.
فيفرق بين ما ينقض أصل الإيمان وهي المكفرات. وبين ما ينقص الإيمان الواجب أو المستحب، ولا ينقض أصله.
وبعض العلماء يطلقون مصطلح الإيمان الواجب أو واجبات الإيمان، ويجمعون فيه بين ما كان من أصل الإيمان ورتبة الإيمان الواجب، إذ ذلك كله من الواجبات، لكن الأول من شرط الإيمان الذي ينقض الإيمان بنقص شيء منه، والثاني من واجباته فقط وليست من شروطه، وينقص بنقصها ولا