"الخطأ الثلاثون"
عدم التفريق بين البدع المكفرة
وبين غيرها من المعاصي أو بدع الفروع
ومن الأخطاء الشائعة في التكفير أيضًا عدم التفريق بين البدع المكفرة وبين غيرها من المعاصي أو بدع الفروع، ومعاملة أصحاب النوع الأخير ونحوهم من العصاة معاملة الكفار.
فإن كثيرًا من المتحمسين يجعلون كل مخالف لهم من خصومهم في جملة أهل البدع، ويطلقون عليهم إطلاقات الأئمة وكلامهم في أصحاب البدع المكفرة من الجهمية والروافض ونحوهم، من لزوم الإغلاظ عليهم وهجرانهم ومصارمتهم وترك السلام عليهم وترك الصلاة خلفهم، بل ويدخلون في جملة ذلك عصاة المسلمين، فيعاملون الجميع معاملة أصحاب البدع المكفرة بل والكفار المحاربين الممتنعين، وأهل الردة المغلظة، حتى إنه ليختل عندهم ميزان الولاء والبراء، فلا تكاد تجد فرقانًا بين معاملتهم لأنصار الطواغيت المحاربين وبين معاملتهم لمخالفيهم من المسلمين، فيتبرؤون من المسلمين كما يتبرؤون من الكفار، بل ويتعدون حدود الله فيهم وينتهكون حرماتهم ويضيعون حقوقهم الإسلامية.
مع أن البراءة الكلية لا تكون إلا من الكفار، أما عصاة المسلمين فإنما يتبرأ فقط من معاصيهم، كما قال تعالى: (( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون ) ) (الشعراء: 216) .
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل خالد لأسارى بني جذيمة بعد قولهم (صبأنا) ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) [1] ولم يقل؛ أبرأ إليك من خالد.
وتحت هذا المعنى فوائد جليلة ومهمة ..
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية تكفير الطوائف الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، وأنكر على من يعاملهم لأجل ذلك معاملة الكفار، حتى وإن كان فيهم بدع محققة، وبيّن أن المكفرين لهم أو المعاملين لهم معاملة الكفار، قد تكون بدعتهم أغلظ من بدعة أولئك، ثم قال: (ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين، لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم عن بعض، ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك) أهـ مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (3/ 176) .
وليت الأمر وقف عند هؤلاء، عند ذلك الحد، بل منهم من يلحق بهم من لا يعاملهم بمثل هذه المعاملة التي قرروها واختاروها، فيصير هو أيضًا عندهم من أهل البدع فيصارم ويهجر ويزجر ويغلظ عليه وتهدر حقوقه.
(1) ـ رواه البخاري في كتاب المغازي.