وما أشبه هذا بتسلسل غلاة المكفرة في تكفير من لم يكفر الكافر، ومن لم يكفر من لم يكفر الكافر أيضًا ... وهكذا ...
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمها بلبانها
وربما صحح بعض هؤلاء مذهبهم هذا، ورقعوه ببعض أقاويل أهل العلم، كقول القحطاني في نونيته:
لا يصحب البدعي إلا مثله ... تحت الرماد تأجج النيران
أو قول بعض العلماء: (من خفيت علينا بدعته لم تخف عنا ألفته) ، ونحو ذلك من تحذير السلف من مصاحبة أهل الأهواء أو أصحاب البدع المكفرة، وهذا مع كونه ليس من الأدلة الشرعية، إلا أنهم يتعنتون بإنزاله على عصاة المؤمنين، ويلزمون كل أحد بمعاملتهم بذلك، حتى ولو كانت خلطته بهم لأجل الدعوة؛ وإلا (شُطب) وألحق بهم ... واستبيحت حرماته ... !!
وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من خيار أصحابه لما تخلفوا عن غزوة العسرة، ولم يهجر غيرهم من ضفاف الإيمان، فالمسألة اجتهادية يقدر فيها الداعي المصلحة باجتهاده، ولا يحل إلزامه فيها بتقدير أو اجتهاد معين، أو أطره عليه بالهجر أطرًا، فضلًا عن التضليل والتبديع والمعاداة ونحوها من أساليب الضغط والإرهاب الفكري.
كما لا يصح مساواة الفساق والعصاة، بأهل الأهواء المضلّة أو معاملتهم معاملة أصحاب البدع المكفرة، استسهالًا لموضوع الهجر بدعوى الزجر دون بيان أو تفصيل أو وعظ أو تذكير .. وربما لموافقة ذلك لأمزجتهم وطبائعهم الغضبية، واستصعابًا للصبر وطول النفس في الدعوة إلى الله.
فأقول: على رسلكم .. ما هكذا تورد الإبل.
والحذر الحذر من الخلط بين هؤلاء وهؤلاء في شيء من ذلك لدواعي البغي والخصومة. فقد قال تعالى: (( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم ) ) (الشعراء: 181 - 182) .
وقال سبحانه: (( ويلٌ للمطففين ) ).
ولله در شيخ الإسلام في لفتاته الرائعة التي يبثها كثيرًا في ثنايا فتاواه، والتي تنم عن إنصاف لخصومه قلّ أن يتحلى به مخالفوه، وقل أن نراه في الخصومات هذه الأيام، فمن ذلك قوله: (ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنن، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (3/ 220) .