فمثل هذا حكمه حكم أهل الحرب يباح قتله وقتاله وأخذ ماله لمن قدر عليه دون استتابة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:(العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان:
أحدهما: عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد ... والثاني: عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يقدر عليها إلا بقتال)أهـ. مجموع الفتاوى ط دار ابن حزم (28/ 193) .
ويدخل في حكم الممتنعين عن قدرة المسلمين وعن شرائع الإسلام في هذا الزمان؛ الطواغيت المعطلين لأحكام الشريعة، المشرعين والمحكمين للقوانين الوضعية الكافرة، وأنصارهم وجندهم الذين يظاهرونهم على المسلمين ويظاهرون قوانينهم ويقوّون شوكتها ويحمونها ويمتنعون من النزول على أحكام الشرع؛ فهؤلاء قد جمعوا بين نوعي الامتناع، الامتناع عن الشرائع والامتناع عن القدرة، إذ هم من أشد المحاربين للإسلام وأهله.
وقد قال شيخ الإسلام في فتواه الشهيرة في التتار: (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة ... ) إلى قوله: (وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، وكذلك إن امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون ... .
قال الله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله ... ) (28/ 278 - 279) (ط دار ابن حزم) .
أما المقدور عليه، فالواجب استتابته قبل الحكم عليه بالتكفير، أي أنه يجب النظر في شروط التكفير وموانعه في حقه، هل قام مانع من تكفيره أو عدم شرط، فإن ثبت عليه التكفير لم يقتل ولم يزل ملكه عن أمواله حتى يدعى إلى التوبة والعود إلى الإسلام وهو النوع الآخر من الاستتابة [1] . ولا يزول ملكه حتى يقتل مرتدًا لاحتمال عوده إلى الإسلام [2]
ويندرج تحت حكم المقدور عليهم، المستضعفين من عوام المسلمين في هذا الزمان إذا كانوا لا يمتنعون عن الشرع بشوكة المرتدين ولا بقوانينهم المسلطة على العباد، ولا يستنصرون بهم أو يظاهرونهم على الموحدين، فكيف إذا كانوا مجتنبين للطواغيت وشركياتهم محققين لقوله تعالى (( اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) )؟؟.
فلا يحل مساواتهم والحال كذلك بالمحاربين الممتنعين من المرتدين وأنصارهم المتسلطين على أزمة الحكم في بلاد المسلمين، فإذا صدر من بعضهم قولًا أو عملًا مكفرًا عن جهل أو خطأ أو تأويل على
(1) ـ وفرق شيخ الإسلام في الصارم المسلول في هذا بني الردة المجردة والردة المغلظة، فذهب إلى عدم استتابة من ارتد ردة مغلظة وكفرًا.
(2) ـ انظر المغني (كتاب المرتد) (فصل: ولا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته ... ) .