كاملة واضحة، ثم وإن لم يؤمن فقد أمر الله تعالى بإيصاله بعدها إلى بلده آمنًا مطمئنًا من غير أذى أو ترويع.
ففي هذا كله وجوب التفريق بين المقبل على سماع الدعوة أو من يدعى إليها ابتداء، سواء كان من الحربيين أم غيرهم، وبين المعرض أو المستكبر.
والخلاصة أن مقام الدعوة وما يسوغ فيها مع الحربيين أوغيرهم، هو غير مقام القتال ومراغمة أئمة الكفر وأطر الشانئين والمستكبرين من المعرضين عن الدعوة أو المستهزئين بها.
أما دعوتهم ابتداء، فقد بعث الله نبيه موسى إلى طاغوت زمانه ورأس المحاربين والمقاتلين له ولقومه؛ فأمره وأخاه أن يبدءا دعوته بالقول اللين مع وصفه سبحانه له بالطغيان، فقال: (( إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولًا ليّنًا لعله يتذكر أو يخشى ) )... فابتدءاه بذلك كما أمرهم الله تعالى، فلما أعرض وأبى وأصر واستكبر وهدد وتوعد وأرعد، وقال لموسى: (( إني لأظنك يا موسى مسحورًا ) )؛ قال له موسى: (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا ) ).
وكذلك خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام يخاطب قومه في مقام الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ويناظرهم بالحجة، ويظهر حرصه على هداية أبيه. فتراه يقول: (( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا ) ).. (( يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا ) ) (( يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا ) )... ونحو ذلك.
وفي مقام إعراضهم وحيدتهم وجدالهم بالباطل مع وضوح الحجة، يقول لهم ولأبيه في جملتهم: (( أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) )ويقول: (( ... كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ... ) )وقال تعالى عنه في شأن أبيه (( ... . فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرأ منه ... ) ).
وكذلك خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على هداية قومه وعشيرته الأقربين، ينذرهم النار ويدعوهم إلى إنقاذ أنفسهم منها. ولا زال يدعو عمه أبا طالب ويتمنى هدايته إلى آخر نفس من أنفاسه.
وفي مقام استهزائهم وغمزهم له واستكبارهم، تراه يقول لهم: (تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) [1] .
فلا بد من التفريق في الحوار والخطاب بين من يستمع للدعوة وينصت ويرغب في التعرف إليها. وبين من يتخذها هزوًا ولعبًا أو يعرض ويستكبر.
(1) ـ مسند أحمد (7036) تحقيق أحمد شاكر.