واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: (( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) ).
والذي نعذر به عوام المسلمين هنا، هو (انتفاء القصد) إن وجد، وهو (الخطأ) الذي يقابل العمد، عند من لم يختر من ينيبه على أنه مشرّع ولا على أن يقسم على احترام الدستور ولا على أن يتحاكم إلى القوانين، ولا على أن تكون آلية عمله من خلالها أو من خلال تشريعها، ولا على شيء من تلك المكفرات التي يرتكبها أعضاء البرلمان ... ولا علم لذلك المنتحب ولا شعور له بها حتى يتوجه قصده واختياره وإرادته إليها، وإنما يختار من يختاره منهم لأجل أن يُحكّموا شرع الله كما يعلن المنتسبون للإسلام منهم في دعاياتهم الانتخابية، دون أن يعرف أو تظهر له الآلية الكفرية التي يحلمون بتحكيمه من خلالها. أو يختارهم لأجل ما يأمله منهم من خدمات دون أن يعرف حقيقة عملهم وطبيعته.
فمثل هؤلاء لا يكفرون إلا بعد التعريف والبيان وإقامة الحجة، خصوصا مع ما ذكرناه من التباس الأحوال وجهل العوام وانطلاء تلبيس المنتسبين إلى الدين عليهم.
وإقامة الحجة ليست فقط إبلاغ كلام الله وكلام الرسول، خصوصًا بعد انتشار الإسلام وبلوغ كتاب الله للقاصي والداني مع تكفل الله بحفظه، بل قد تكون في كثير من الأحيان بإزالة الشبهات وكشف التلبيسات وإظهار حقيقة الواقع أو معنى الكلام وحقيقة العمل.
وعلى هذا فالحكم بكفر جميع المنتخِبين (بكسر الخاء) ، في الانتخابات البرلمانية دون تفصيل خطأ ظاهر من أخطاء التكفير، يجب التنبه إليه، خصوصًا مع الجهل بحقيقة هذه البرلمانات وحقيقة وظيفة النائب فيها، والتباس الأمور والمقاصد.
ومع هذا فنحن لا نتحرج من أن نقول؛ أن المشاركة في انتخاب نواب البرلمانات التشريعية كفر ظاهر. فمن قصد واختار النائب لأجل التشريع، أو نحوه من الأعمال المكفرة الأخرى؛ كفر لأنه قد أتى بسبب من أسباب الكفر، ويكفر وإن لم يقصد أن يكفر بهذا العمل ويخرج به من لدين.
أما من كان جاهلًا بحقيقة هذا المجلس وطبيعة عمل أعضائه، فهذا يجب إقامة الحجة عليه وتعريفه بحقيقة وظيفة من ينيبهم ويختارهم، فإن أصرّ على ذلك كفر ... ولا يبادر إلى تكفيره قبل إقامة الحجة والبيان.
يقول شيخ الإسلام: (وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين -وإن أخطأ وغلط- حتى تقوم عليه الحجة، وتبين له المحجّة، ومن ثبت إسلامه يتقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) أهـ. مجموع الفتاوى (ط دار ابن حزم) (12/ 250) .