قال الشنقيطي في أضواء البيان (4/ 82) :(تنبيه: اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك، وإيضاح ذلك أن النظام قسمان؛ إداري وشرعي:
-أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة فمن بعدهم، وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط ومعرفة من غاب ومن حضر ... مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلا بعد أن وصل تبوك صلى الله عليه وسلم، وكاشترائه - أعني عمر رضي الله عنه- دار صفوان بن أمية وجعله إياها سجنًا في مكة المكرمة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر [1] ، فمثل هذه الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به كتنظيم شؤون الموظفين وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.
-النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض ... ) ثم أخذ بالكلام في هذا النوع.
والشاهد منه أن ما كان من قبيل التنظيمات الإدارية وكان مباحًا لا معصية فيه ولا مخالفة، فهذا مما أجمع عليه الصحابة وعملوا بمثله ... ومنه ما يسميه بعض العلماء في كتب الفقه والأصول بالمصالح المرسلة، فإن كان فيه من المخالفات مالا يصل إلى استحلال محرم. فإنه وإن كان تنظيمًا مخالفًا للشرع، لكنه ليس من النوع التشريعي الطاغوتي.
إذ ليس كل مخالفة للشرع تعد كفرا، بل من ذلك ما هو معصية ومنه ماهو كفر ..
وعدم التفريق بين النوعين مزلة أقدام دفعت البعض إلى تكفير كل من يعمل بعقود الإيجارات ونحوها من المبايعات أو يلتزم بتسعيرة المواصلات أو المبيعات؛ حيث زعموا أن التسعير تشريع طاغوتي كفري لا يجوز العمل به.
تنبيه: يجب التفريق بين كلامنا في ذم القوانين وتكفير مشرعيها من الطواغيت وأنصارهم والممتنعين بها من أتباعهم؛ وبين التفصيل الواجب عند الكلام في عموم الناس المقهورين بسلطان هؤلاء الطواغيت ..
(1) ـ أما إذا وضع السجن كعقوبة قانونية وضعية تستبدل بالحدود والعقوبات الشرعية، فقد صار كما هو الواقع اليوم من التشريعات الطاغوتية الكفرية وليس من التراتيب والتنظيمات الإدارية، حيث كان قديمًا يستعمل للحجر والتوقيف والتعزير ونحوه فقط ولا يستبدل بالحدود والعقوبات الشرعية.