الوحيد للقضاء على ذلك التفرق الذي زرعه الكفار بين الأمة هو بتحرير عالمنا ا?سلامي من حكم الكفار والمرتدين، وهذا لا يتأتي إلا بقتال العدو الصائل ودفعه ..
ولذلك فالنظر الواقعي يقتضي تقديم دفع الصائل على الانشغال بإقامة الخلافة وتنصيب ا?مام، وهو في ذلك متناسق مع النظر الشرعي الذي يقرر أن العدو الصائل لا شيء أوجب بعد ا?يمان من دفعه!
ثم بعد أن تتحرر بعض تلك البلاد يقيم المجاهدون فيها إمارات قطرية ينصبون فيها أميرًا يختاره الناس ويرتضونه، ويعمل هذا الأمير على الحكم في تلك الإمارة بشرع الله عز وجل ويسعى جاهدًا لتحقيق مقاصد الإمامة ..
ثم إذا كثرت تلك الإمارات وتعددت وقويت شوكتها وجمعت جمهور الأمة، حينئذ سعى أهل الحل والعقد - الذين تتبعهم الأمة وتقبل رأيهم وتنقاد له - إلى جمع تلك الإمارات كلها في كيان واحد، هو الخلافة، ونصبوا عليهم إمامًا يرتضيه الناس ويبايعوه، وفق منهاج النبوة، كما أقامها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى، ليكون هو إمام المسلمين ..
وبذلك نكون قد اتبعنا المنهج الذي يرتضيه الشرع والعقل، وأقمنا الخلافة على منهاج النبوة، حيث دفعنا الصائل ثم أوجدنا جماعة المسلمين ثم نصبنا الإمام ..
إنني وإذ أختم بحثي هذا أتوجه برسالة نصح إلى علماء الأمة، ولكن قبل أن أوجه رسالتي إلى العلماء، أود بادئ ذي بدء أن أقرر أني ممن يعتقد وجوب احترام أهل العلم وتقديرهم قدرهم ..
فقد صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ليس منا من لم يُجِل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه] [1] ، وقال: [فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم] [2] ، وقال: [العلماء ورثة الأنبياء] [3] ..
ومن كان هذا قدره في الشرع، فلاشك أنه لا يجوز لي ولا لأمثالي أن يتكلموا عنهم إلا بأدب وحسن خلق، ولكن الأدب مع العلماء وتوقيرهم واحترامهم لا يمنع من نصحهم وإبداء الرأي لهم، وذلك بالطبع دون الإخلال بقدرهم أو التطاول عليهم أو الطعن فيهم ..
فعن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الدين النصيحة] ، قلنا: لمن؟، قال: [لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] [4] ..
ولاشك أن العلماء هم من أئمة المسلمين وأولي أمرهم في هذا الزمان، وفي كل زمان، كما قال ابن عباس ومجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية [5] ، ومن ثم فنصيحة العلماء واجبة علينا، بل هي أوجب لهم من غيرهم، إذ أن مفسدة خطأ العالم أكبر من مفسدة خطأ
(1) صحيح الجامع، حديث رقم (5443) .
(2) صحيح الجامع، حديث رقم (4213) .
(3) أخرجه أبو داود في سننه برقم (3641) ، وابن حبان في صحيحه برقم (88) .
(4) أخرجه مسلم في صحيحه برقم (95/ 55) .
(5) انظر تفسير ابن كثير للآية (59) من سورة النساء.