في قوله: (من غير مشورة المسلمين) ، ومَن فَقِهَ سيرة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - في بيعة ذي النورين علم أن الصحابة كانوا يرون شرط رضى الأمة في بيعة الإمام، ففيه: (فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن بن عوف، ثم قال: أما بعد، يا علي إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلًا) ، فجعل رأي الناس هو الحاكم في التعيين، والحديث في الصحيح، وقد فقه الفاروق رضي الله عنه أن البعض سيعترض على ما يقول ببيعة الصديق رضي الله عنه وأنها جرت على غير هذا المعنى فرد قائلًا: (أنها فلتة وقى الله شرها) ، وصرف شرها بسبب مقام الصديق رضي الله عنه في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وهذا تحقيق لقوله صلى الله عليه وسلم: (يأبى الله ورسوله والمؤمنون) [1] ، فتوافق فيه الرضى الإلهي والوقوع القدري) [2] ..
فهذا هو منهج الصحابة رضي الله عنهم في تنصيب الإمام، ومن يقارن بينه وبين منهج جماعة"الدولة"في إعلان الخلافة على لسان متحدثهم"العدناني"، يدرك مدى الفرق الشاسع بين المنهجين، فالأول خلافة على منهاج النبوة، والثاني بغي وظلم للأمة وعدوان عليها وافتئات على حقها ..
ولو أن القوم اتبعوا منهج الصحابة رضوان الله عليهم في تنصيب الإمام لكان خيرًا لهم وأقوم، ولكنهم أبوا إلا أن يفتأتوا على الأمة ويغصبوها حقها، فزعموا أنهم نصبوا إمامًا للمسلمين، والواقع أن هذا الإمام لم يجتمع عليه إلا من حوله، ولم يزكه إلا قومه، ولم يرتضه إلا جنوده وجماعته!
(1) وقوله صلى الله عليه وسلم: [والمؤمنون] دليل على اعتباره رضى الأمة كشرط لانعقاد الإمامة!، وأما قوله: [الله ورسوله] فهو دليل على اعتبار الشروط الشرعية في الخلافة والإمام، وسنتكلم عن تلك الشروط في فصل شروط الإمامة.
(2) ثياب الخليفة، ص 13.