وهذا القول فيه سطحية شديدة في النظر، إذ العبرة ليست بالتمكين الكامل أو الناقص، فهذا أمر لا ينضبط، ولكن العبرة بالتمكين الذي يحقق مقاصد الإمامة التي شرعت لأجلها، فكما ذكرنا سابقًا أن مقصود التمكين بسط سلطان الشريعة، فليس مناط الحكم بتحقق التمكين مجرد وجود القوة مطلقًا، وإنما القوة المقيدة بالقدرة على حماية بيضة المسلمين وبسط سلطان الشريعة، ثم إذا زالت القدرة على ذلك بعد تحققهما زال بذلك التمكين، وبقاء القوة بعد ذلك وصف لا تأثير له في هذا الباب [1] ..
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لابد للناس من إمارة: برة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟، فقال: يقام بها الحدود وتُأمن بها السبل ويجاهد بها العدو ويُقسم بها الفئ) [2] ..
ولا يجادل عاقل أن الإمارة التي تقيم الحدود وتأمن السبل وتجاهد العدو وتقسم الفئ هي إمارة ممكنة، ولذلك اعتبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه الإمارة الممكنة رغم فجورها، فمناط الحكم في الإمامة بتحقق التمكين، لأن العبرة ليست مجرد اسم الخلافة، وإنما العبرة بمقاصدها، وتحقيق المقاصد لا يتم بلا تمكين، ولذلك اعتبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه التمكين، فذكر مظاهره، وهي القدرة على تحقيق المقاصد ..
(1) رسالة حول إعلان قيام"الدولة الإسلامية"وآثاره، ص 2.
(2) مجموع الفتاوى، 28/ 165.