فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 80

وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم، فها هي أفول المنافقين والمرجفين وضعاف النفوس والقلوب يقولون أعظم من هذا بكثير، ويلقون باللوم على المجاهدين بسبب ما يصيبهم من بعض ذهاب الدنيا أو نزول بعض الأذى، وأغلبهم بعيد عن ساحة المعارك بآلاف الأميال، فكيف بمن يذوق مرارة البطش والأذى والظلم والقتل والتشريد وهو صابر محتسب، يشكو بثه وحزنه إلى الله، بينما نحن نزيدهم نكالًا إلى نكالهم بألستنا الحداد، وبقلوبنا الأشحة على الشر.

إن الذين تقاعسوا عن الجهاد وآثروا الحياة الدنيا وملذاتها على ما عند الله، والذين جبنوا على تحمل تبعات الجهاد وتبعات إيمانهم المزعوم، يريدون من المجاهدين أن يكونوا مثلهم حتى يتساووا معهم في الإثم والمعصية، فمثلهم {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر-16] ، ذلك لأن خروج المجاهدين إلى المعركة هو بمثابة عملية فضح وإزالة الستار عن هؤلاء المتقاعسين الجبناء، فتنكشف سوءاتهم وضعفهم وحقيقتهم المخزية أمام الناس.

بالرغم مما يرون ويسمعون من جمع الناس لهم وتخويفهم من عتادهم وأسلحتهم، فهم ماضون ومستجيبون لله ولرسوله ولنداء الجهاد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران-200] . وموقنون لقول الحق تبارك وتعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت-69] .

لا يبالون بهذه التخويفات والنداءات الشيطانية {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران-173] ، إن الكفار قد ألبوا الأحزاب واستقدموا الجيوش وجمعوا أعتى السلاح وأفتكه، فاخشوهم، واستسلموا لهم، ودعوهم ينالوا ما أرادوا ليبقوا على حياتكم، وإذا واليتموهم فسوف يمنحونكم الجاه والسلطان فوق منحهم إياكم الأمن والأمان.

وحينما يصدق المؤمن في موقفه هذا، فإن الله تعالى يسخّر سننه ويأمر جنوده بتحقيق وعده لعباده، وقد يأتي هذا بعد تمحيص وابتلاء وفتنة، حتى يكون النصر بعد ذلك ذو قيمة عند هؤلاء العبيد، فيحافظوا عليه ولا يفرطوا فيه.

هذا هو الشيطان، لا يملك إلا أن يوسوس، وسلطته تكون على أوليائه وعلى كل من يغفل على حقيقته، هذا فضلًا عن تزيين الباطل للناس ووعدهم إياهم بالأماني الزائفة {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا} [الإسراء-64] .

ومن هنا يكشفه الله تعالى لعباده المؤمنين ويوقفه عاريًا لا يستره ثوب من كيده ومكره، ليعرف المؤمنون حقيقة مكره ووسوسته ثم ضعفه وهوانه {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء-76] ، ومن باب أولى أن يكون مكر أوليائه وكيدهم أضعف، فلا يستحقون الخوف والخشية.

ومصلحة الدعوة أصبحت اليوم صنمًا يُعبد من دون الله، ويُضحّى في سبيلها بالعقيدة ومبادئ الدعوة نفسها، كقولهم بأن بدء الجهاد والمواجهة مع الأعداء من شأنه أن يعطّل مسيرة الدعوة أو يؤخرها لسنوات أو سيهدم بناء سنوات من العمل أو غيرها من العبارات، وكلها تدل على جهل القوم بحقيقة هذا الدين وبحقيقة مفهوم الجهاد وأهدافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت