فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 80

ما أصعب قول كلمة الحق في محيط لا يكون لك فيه نصير، بل كل من حولك ضدك، فالمرء حريص على مكانته وسط الناس، ويحاول تفادي كل ما من شأنه أن يعكر صفاء الأجواء بينه وبين معارفه ومحبيه، فيدور مع أهواء القوم حيث دارت ولا يأبه أوافقت هذه الأهواء أم تصادمت مع مبادئه ودينه، حسبه أن يُبْقِيَ على هذه المودة والمكانة بين الناس حتى وإن كان الثمن هو التضحية بهذه المبادئ التي يحملها.

من الأسباب التي تحجم المؤمن عن قول كلمة الحق هو خوفه من لومة اللائمين، مثل قولهم: ما شأنك أنت بما نفعل؟ من طلب منك أن تتدخل في شؤون غيرك؟ لماذا لا تهتم بشؤونك وتترك غيرك يفعل ما يشاء؟ هل تستطيع أن تغير الواقع وحدك؟ وغيرها من عبارات التثبيط والاستهزاء والتقعيد عن أداء واجب الجهر بالحق وقول كلمة الحق في المكان والزمان المناسبين.

المؤمن حينما يقرر القيام بواجب قول الحق، فإنه لا يضع في حساباته ضرورة استجابة الناس أو كسب مدحهم ورضاهم أو الخوف من قدحهم وغضبهم، إنما يقوم بذلك إرضاء لله تعالى وحده وإيمانًا منه بأنه واجب لابد أن يقوم به، ولا يخاف في ذلك لومة لائم. والله سبحانه هو الذي يبارك في وقفته وقولته فيفتح بها قلوب أناس ويغلق بها قلوب آخرين، فترى بعض الناس يسارعون إلى الاستجابة لداعي الحق بينما ترى آخرين يعقدون العزم على مواصلة العناد ومحاربة الحق.

فكم من كلمة حق قلبت موازين كثيرة وغيرت مجريات أحداث عديدة، فالمؤمن الصادق لا ينبغي له التردد بالجهر بالحق في الموقع والزمن المناسبين. كما أن الذي يجهر بالحق و لا يخاف في ذلك لومة اللائمين يجعل الله له مكانة سامية بين الناس ويكسب هيبة ورفعة حتى بين الأعداء، في حين تجد الذي يدهن أهل الباطل أو يخاف من الجهر بالحق لا قيمة له على الإطلاق ولا يُأبه لكلامه.

الإسلام لم يؤت إلا من قبل هؤلاء المنهزمين الجبناء، وما تمكن الطغاة من شعوبنا إلا بسبب تخلي علمائنا وخطبائنا عن قول كلمة الحق في وجوه هؤلاء الحكام وفي وجه كل الفاسدين، ولو أنهم فعلوا ذلك لقذفوا الرعب في قلوب الظالمين ولاقتدى بهم أبناء الأمة جميعًا ولتحولوا إلى حراس آمنين على هذه العقيدة التي عبث بها هؤلاء المجرمون، فحولوا أسود الأمة إلى أرانب.

إن الأمة - بجميع شرائحها - بحاجة إلى العمل بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [1] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم العقبة الثانية:"وأن تقولوا في الله، لا تخافوا في الله لومة"

(1) الأحزاب: 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت