ما من شك أن المؤمن في الجماعة له عهدان لا يمكن أن يخلفهما ما دام فيه عرق ينبض {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء-34] ، عهد مع الله تعالى بعبادته ونصرة دينه، وهو عهد في عنق كل مسلم لا يكتمل إيمان المرء دون الوفاء به، وعهد مع إخوانه بالتعاون على البر والتقوى ونصرة الدين في إطار جماعة منظمة، وفق منهج محدد موافق لشرع الله.
فالعهدان ثقيلان، وكذلك تبعاتهما، ولكنهما ملزِمان ولازمان ولا يمكن أن نتملص لنتخلص منهما إلا إذا قررنا الخروج من دائرة هذا الدين، ووهن العزيمة يمكن أن يؤدي بنا إلى هذا المنحدر، فننقض العهدان، فنخسر الدنيا ونخسر الآخرة.
إننا مطالبون - أكثر من أي وقت مضى - بشحذ هممنا وتقوية عزائمنا ومراجعة أخطائنا وتسوية صفوفنا للتصدي لهذه المؤامرات، ثم المرور إلى هجوم جديد على الأعداء، كما أمرنا رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام"الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، وتلك هي قمة صور التصدي، وقمة صور العبادة.
هذه النماذج الكبيرة والعظيمة، ستظل دومًا تذكرنا بواجباتنا الشرعية وتقذف في قلوبنا الأمل في تحقيق النصر والتمكين لدين الله والعزة والاستعلاء بالانتماء إلى هذه الأمة الوسط حتى وإن كنا نعيش أحلك الظروف وأصعب المراحل {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران - 139, 140] .
فالمؤمن لابد أن يفهم بأن الأيام دول، فيوم لنا ويوم علينا، وبأن رحى الإسلام دائرة رغم كل الأحوال، وينبغي على أهل الحق أن يدوروا مع الحق حيث دار، فهذا حسبهم، والإيمان بالنصر بداية النصر، كما ينبغي أن نفقه جيدًا بأن وعود الله تعالى لعباده هي في الوقت ذاته أوامر لنا، حتى نسعى لتحقيقها في الواقع، وعدم الاكتفاء بانتظار المعجزات، فالله سبحانه يؤكد على هذه الحقيقة في قوله {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة-14] ، لابد من الجهد البشري الذي هو الشطر الثاني لتحقيق النصر بعد معية الله عز وجل وتوفيقه الذي يمثل الشطر الأول والأهم {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران-126] .
{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب-12] .