فبعد أن امتنعت نسبة كبيرة من الأمة عن أداء واجباتها، وتركت الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليها ذلًا لا يمكن أن يُرفع عنها إلا بامتلاك أسباب القوة والمنعة وخوض غمار الجهاد مع الأعداء، فبالإضافة إلى هذا، أصبحت هذه الفئات تائهة في هذه الحياة، لا تجد فرجًا ولا مخرجًا.
والردة عن الدين تتجسد أساسًا في ترك الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد هو ذروة سنام هذا الدين، والوسيلة التي تحمي بيضته، وقد اتضح هذا في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
«إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم» وفي رواية"حتى ترجعوا إلى دينكم"وكأن الرجوع إلى الدين يكون بالرجوع إلى الجهاد في سبيل الله.
لقد انتهى عهد التيه، وحلَّ محله عهد الهدى والرشاد، وصارت عصابات من المسلمين - رغم قلتهم - من أبصر الناس وأهداها على ظهر البسيطة، فأخذت راية الجهاد عالية خفاقة، تبدد الظلام وتكسر الحدود والقيود، وتهدم السدود، وتحرر النفوس، وتهدي الملايين من حيارى المسلمين، بفضل هذه الاستماتة في خدمة الغاية الكبرى، عبادة الله عز وجل حق عبادته، وطلب الشهادة، ففتح الله على أيديها قلوبًا غلفًا وعيونًا عمياء وآذانا صماء، وصارت تقود هذه الجموع إلى بر الأمان، وصرنا نسمع"اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون"بدلًا من قول جيل التيه والتقاعس {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة-24] .
هذه الفلسفة سهلة، لا تكلف أصحابها أي خسارة، وهي أشبه بفلسفة الفأر الذكي الذي اقترح على إخوانه - من أجل التخلص من شر القط الذي يتهددهم - أن يعلقوا الجرس في عنقه حتى يعلموا بوجوده في أية لحظة، وإن كان القياس هنا مع الفارق، حيث أن المطلوب اليوم - تجاه هذا الواقع - ليس تعليق الأجراس في أعناق هؤلاء الطغاة، بل المطلوب هو ضرب هذه الأعناق لكي يتخلص منها العباد والبلاد.
من هنا كانت الضرورة لإيجاد أساليب جديدة لاستنهاض هذه الهمم أكثر وتوجيهها لتتعلم لغة الضرب وعدم الاكتفاء بلغة التنظير السلبية، وتضييع العمر والأجر في تسطير المشاريع النظرية على أوراق الوهم والسراب.
نحن بحاجة إلى هذه الروح الاستشهادية التي تهزم الجيوش الجرارة، وتقذف في قلوب الأعداء الرعب، وهذا هو مكمن القوة ورأس الحربة التي يخشى منها العدو، ويحاول منذ أربعة عشر قرنًا محوها وتغييبها من عقول أبناء الأمة، يجب علينا أن نحافظ على هذه البذرة الطيبة ونسقيها بدمائنا وعرقنا، حتى تصبح الحبة مائة حبة، والمائة تصبح ألفًا، والألف إثنا عشر ألفًا.