النفقة والتضحية ولو بالقليل ثم التدرج في ذلك حتى نحبب إليها فريضة الإنفاق في سبيل الله، فوالله ما أنفقنا شيئًا إلا ونجده يوم القيامة، ثم إن هذا الدين لا ينتصر بالأماني والكلام المعسول بقدر ما ينتصر بالتضحيات المادية والمعنوية التي يقدمها المؤمنون قربانًا لربهم جل وعلا.
إن التضحية بالنفس في سبيل نصرة الدين أو الدفاع عن العرض هي من أعلى مقامات التضحية وهي غاية الجود.
فهذه النفس أمانة في عنق كل موحد، وهو قد عقد البيع مع ربه منذ اليوم الأول الذي رضي أن يكون مؤمنًا، بيعة لا يمكن التراجع عنها إلا بإسقاط هذا الإيمان والعودة إلى الجاهلية من جديد، {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ} [1] ، فجاءت النفس هنا سابقة للأموال لأنها هي التي تمكن المؤمن من الفوز بالجنة والرضوان {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [2]
النصر غاية ووسيلة
فالزمرة المؤمنة لابد أن تحقق صفات الإيمان والتقوى والتوكل على الله تعالى والتجرد له تجردًا كليًا، واعتبار أن النصر وسيلة لعبادة الله والتقرب إليه قصد نيل رضاه، وليس غاية في حد ذاته نعبده من دون الله، حتى إذا فشلنا في تحقيقه انقلبنا على أعقابنا.
فالله تعالى يؤكد هذه الحقيقة في قوله تعالى {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) } وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا { (2) } فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [3] ، فالغاية من تحقيق النصر هو أن نمكن لدين الله في الأرض ليدخل الناس فيه فرادى وأفواجًا، وعلينا بعد تحقيق النصر أن نستغفر الله ونتواضع له ونتوب إليه سبحانه حتى لا يدخلنا العجب أو الرياء أو شيء من هذا فتضيع الغايات الأساسية من وراء النصر.
كما لا يمكن أن تتحول هذه الغاية إلى صنم يُعبد من دون الله يدفعنا إلى التنازل عن بعض ديننا لتحصيل الباقي، فهذا لا يستقيم مع طبيعة ديننا الحنيف، فهو لا يقبل أنصاف الحلول ولا أرباعها، فإما يكون الدين كله لله وحينئذ يكون هو النصر الحقيقي والتمكين الكامل الشامل لشرع الله، وإما يكون دين الطاغوت ولو قدموا لنا الكثير من المكتسبات وأوحوا لنا أننا حققنا نصرًا باهرًا وفتحًا مبينًا.
فكما أن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل سبحانه أن يكون معه شريك في الملك والأمر، كذلك شأن النصر، {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [4] ، وهذا هو النصر الحقيقي الذي نتوخاه ونقدم في سبيله الغالي والنفيس من دمائنا وأموالنا وأهلينا.
{وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [5]
(1) التوبة:111
(2) التوبة:111
(3) النصر
(4) الأنفال:39
(5) الحج:40