وهاهي أخيرًا - وليس آخرًا - خلايا الجهاد والقتال قد انبعثت في كل بلد وفي كل موطن توجد فيه فتنة، وتوجد فيه حكومة ردة، نهضت لتترجم لغة التنظير والكلام إلى لغة العمل والتنفيذ، ولِتُحَوِّل أحلام وأماني الأمس إلى واقع فعلي وإلى حقيقة ناصعة، وبالرغم من قلة النصير وبُعْدِ الشُّقَّة وكثرة الأعداء، فإن القطار قد تحرك، ولن يوقفه - بإذن الله - كيد الكائدين ولا فلسفة القاعدين ولا تثبيط الشياطين، إنه ماض إلى وجهته النهائية، لن ينحرف ولن يحدو عن الطريق، وعلينا أن ننضم إليه ونكثّر سواده، ولا خير فيمن تخلف عن الركب بل لا خير فيمن لا يحض الناس على الركوب.
إن المرض الذي تعاني منه الأمة هو التقاعس واللامبالاة، وهو مرض خطير ينخر جسد الأمة ويجعلها عرضة للسقوط في مخالب الأعداء ولقمة سائغة في أفواههم، وهو حينما يُضاف إلى مرض الوهن الذي حذّرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنه يكبل النفوس ويمنعها عن مجرد التفكير فضلًا عن الحركة، وما لم تتنبه الأمة لهذا المرض العضال وتسارع إلى كشفه وتداويه، فإنه سيؤدي بالأمة إلى الدمار والموت المحقق وبالأجيال القادمة إلى التيه والضياع.
فهدف المرحلة الراهنة هو محاولة زرع تلك الروح الجديدة - القديمة في نفوس المسلمين، وتعليمهم لغة الضرب وعدم الركون إلى لغة التنظير والركون الجامد اللا مسؤول من وراء جدران الراحة والترف والبذخ الفكري والجسدي، ولكن هذا يتوقف أولًا وأخيرًا على مدى تجسيدنا - نحن - لهذه الموازين والقيم في ساحة العمل والحركة بهذا الدين، ومدى حبنا وشوقنا للشهادة في سبيل الله، ومدى تسابقنا إلى إرضاء الله عز وجل وحده، ومدى تطلعنا إلى وجهه الكريم في أعلى عليين.
فعلى ضوء ما سبق، هناك تساؤل يطرح نفسه بإلحاح وهو: هل المطلوب امتلاك القوة أم امتلاك الحق أو كلاهما معًا؟ بعبارة أخرى: هل يجب أن نؤمن بحق القوة أم بقوة الحق أم بكلا المنطقين؟
إن الله عز وجل يطلب من عباده وهم أصحاب الحق، أن يمتلكوا القوة ويكونوا على استعداد دائم لمجابهة أهل الباطل وإرهابهم حتى لا يتجرأوا على مهاجمتهم والاستعلاء في الأرض بغير الحق، يقول سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال-60] ، فامتلاك القوة إلى جانب امتلاك الحق أمر ضروري للحفاظ على هذا الحق والأمن من كل الشرور التي تأتي من الأطراف المعادية.
والقرآن الكريم يذهب إلى أبعد من هذا بكثير بحيث يأمرنا أن نقاتل ونجاهد أهل الباطل ابتداءً؛ حتى لا يبقى هناك ثمة موضع قدم للظلم والفساد والفتنة في هذه الأرض {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة -193] وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة -123] ، وهذه العملية لكي تتم، فإنها تحتاج إلى قوة مادية، أي إلى العمل بمنطق حق القوة.