فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 80

مما لا شك فيه أن الأيام دول بين الحق وأنصاره من جهة وبين الباطل وأعوانه من جهة أخرى، وبأن الباطل مهما علت رايته ومهما شع نجمه، فإنه لابد إلى زوال على أيدي معاول أصحاب الحق {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء] ، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء 18] .

ومن سنن الله تعالى في هذا الكون أن يسلط أعداءه - في بعض الأحيان- على أصحاب الحق تسليطًا قدريًا، وذلك بسبب تخلف أسباب القوة والتمكين لدى هؤلاء وبعدهم عن المنهج الحق، وامتلاك هذه الأسباب المادية القدرية من قبل أعدائهم، فيتحقق لهم النصر والتمكين على أصحاب الحق.

لقد مرت الأمة الإسلامية بفترات حالكة، تميزت ببعدها عن منهج ربها وتمكُّنِ الأعداء منها، ولكن سرعان ما كانت تتدارك الأمر فتعود الأوضاع إلى سابق عهدها {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} [آل عمران] .

فكانت الحلقة الأخيرة من سلسلة الكبوات تلك التي تعيشها الأمة منذ إسقاط الخلافة العثمانية في الربع الأول من القرن الماضي، والتي تميزت بالسيطرة المطلقة لقوى الكفر والردة على مناصب الحكم، بعدما قسّموا الأمة الإسلامية إلى أجزاء متناثرة، ووضعوا الحدود والسدود لعزل الشعوب ومنعها من العودة إلى دينها لتغيير الأوضاع. ولكن رغم كل هذا خرجت جماعات الحق من تحت ركام الذل والصغار، جماعات متناثرة هنا وهناك، قدمت الغالي والنفيس وسبحت ضد التيار وخالفت كل الأعراف والقوانين الوضعية، فأحيت فريضة الجهاد في النفوس، وأعادت الأمل للشعوب بإمكانية الرجوع إلى موقع الريادة وإزالة هذا الركام من التبعية والذل والهوان. فتحقق لها ما عملت له وما أراد الله لها أن يكون، وفق قضائه وقدره، وتبعا لحكمته، وبالقدر الذي يكون فيه المصلحة لدينه ومنهجه.

إن تنظيم"قاعدة الجهاد"يمثل مَصبا للتجارب الجهادية التي عرفتها العقود الأخيرة، سواء في داخل بلداننا أو داخل أفغانستان والبوسنة ثم الشيشان، حيث التقت هناك جماعات الطائفة المنصورة من كل لون وجهة، أتوا من كل فج عميق، لنصرة المسلمين على هذه الأراضي أولًا {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق} [الأنفال] ، وأداء فريضة الجهاد ثانيًا {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة] ، وتطبيقًا لواجب الإعداد ثالثًا {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْل} [الأنفال] .

فهذا التنظيم عصارة نادرة وثمينة ترعرعت على يد الله وتحت عينه، كأن الله تعالى كان يُعدِّها لهذه الأيام التي لها ما بعدها {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} ... {ثمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [طه] ، فموسى عليه السلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت