وهناك الألم الاقتصادي أو نقص الأموال والثمرات بالتعبير القرآني، حيث أن المؤمن يعتبر ذلك محنة وابتلاء وضرورة لابد من تحملها بالصبر، ما دام أن ذلك كله مجرد وسيلة يتعبد بها لله عز وجل وليست هدفًا في حد ذاتها، فالرزق مضمون بشرط تحقيق الإيمان والعبودية لله عز وجل {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] ، فالمؤمن لا يأسف أبدًا على ذهاب الدنيا، ويتحرز كثيرًا من مغبة السقوط في شراكها على حساب دينه وعقيدته.
الألم السياسي، ويتمثل في ذهاب تلك الهالة المزيفة التي يضفيها العدو على نفسه فيبدو للآخرين على أنه الأقوى والأجدر بالاتباع {مَا أُرِيكُم إِلاَّ مَا أَرى، وَمَا َأهدِيكُم إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشّاد} [غافر-29] ، فتساهم هزيمته العسكرية في كسر هذه الهالة، وفقدان هذه القوة السياسية بفقدان الأتباع والظهور بمظهر الضعيف الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه فضلًا عن حماية غيره، وهذا ألم فظيع يُضاف إلى الآلام السابقة، ومبادئ العدو لا قيمة ولا وزن لها إلا إذا تحققت على أرض الواقع بالسيف والحديد تارة وبالإغراءات المادية تارة أخرى، وإذا ما غابت أحد هاتين الوسيلتين أفل نجمه وذهبت معه هذه الهالة.
أما المؤمنون فإن غياب الحق وكونه غير مُمَكَّن في الأرض، لا يفتّ من عضدهم فيجلسون للبكاء على الأطلال في وحل اليأس الهزيمة، بل يدفعهم هذا إلى المزيد من العطاء والإعداد والجهاد، يألمون بسبب غيابه، ولكن يرجون من الله ما لا يرجو أعداؤهم، يرجون تحقيق وعد الله لهم بالنصر والتمكين، ويرجون ذهاب الباطل وإزهاقه، ولكن هذا الرجاء مقرون بالعمل والتضحية والعطاء.
ولابد لهؤلاء الأنصار أن يستشعروا أهمية هذا الدور ومدى مساهمته في مسيرة الجهاد، فلا يشعروا بالخوف وليتحملوا تبعات نصرتهم من آلام وإحساس بالضيق والحصار، فهم والمجاهدون في ساحات المعارك سيان، كل واحد واقف على ثغره المناسب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وليستحضر هؤلاء الأنصار ما يرجون عند الله لتهون أمامه كل الآلام والصعاب. {إن الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله، وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض} [الأنفال-72]
وليعلم الأنصار أن الذي يقعد ويتقاعس عن نصرة المجاهدين سيتألم أكثر وسيخسر أكثر مما يخسره المجاهدون، ولكن في سبيل نصرة الباطل أو - في أخف الحالات- خذلان الحق، فالتضحية والنفقة محتمة على الجميع، والآلام والآهات ستطال الجميع، فلتكن في سبيل الله، ولنجعلها في خدمة دينه ونصرة أوليائه.
فمن المعلوم أن أعداء الله لا يتوانون في حربنا لحظة واحدة، لمجرد أننا مسلمون {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة-217] ، ذلك هو دأبهم، وتلك هي سنتهم، لا تتغير ولا تتبدل، ومن هنا وجب علينا معشر المسلمين أن نقاوم هذه الحرب ونجابهها بعقيدة المواجهة والتصدي والمقاومة. ولن يستطيع أعداؤنا النيل منا ومن ديننا إلا بمقدار ما يناله الشيطان من عقيدتنا وطمس معالم الثبات والاستقامة في النفوس.